زيارة نتنياهو السرية المعلنة لأبو ظبي، بعد يومين فقط من انسحاب ممثلي 77 دولة من قاعة الجمعية العامة أثناء خطابه، ليست زيارة دبلوماسية عادية، بل هروب طارئ على طريقة “إدارة الأزمات”.
مطلبها المعلن اثنان: إسكات فضيحة “تحذيرات 7 أكتوبر” داخلياً، وإعادة نسج تحالف إقليمي مناهض لإيران خارجياً.
غير أن سلسلة الإشارات المرتبكة — فتور سعودي، تسريب إعلامي، ملاحقة قضائية من الشاباك، و”حضور عرضي” لنجل حفتر — تكشف أن الرحلة فضحت بالضبط المأزق الاستراتيجي الذي يعيشه الكيان الصهيوني تحت الضغط المتواصل من محور المقاومة.
لكن ثمة طبقة أعمق: هل كان “طلب النفي” مجرد غلاف لملف أكثر استعجالاً؟
صفعة الجمعية العامة
لفهم لماذا اندفع نتنياهو نحو أبو ظبي في هذه اللحظة، لا بد من العودة إلى 24 سبتمبر في مقر الأمم المتحدة بنيويورك. عندما صعد نتنياهو إلى المنصة، بدأت عشرات الوفود — بينها إيران وقطر والسعودية وفلسطين — بالانسحاب التدريجي من القاعة، وترك الوفد الإيراني على مقاعده صورة الشهيد قاسم سليماني. وبلغ عدد الوفود المنسحبة 77 وفداً.
لم يكن هذا احتجاجاً بروتوكولياً، بل إشارة مباشرة إلى أن الجبهة الغربية التقليدية الداعمة للكيان الصهيوني بدأت تتشقق. صحيفة “واشنطن بوست” وصفت نتنياهو بأنه يواجه “مستوى جديداً وغير مسبوق من العزلة الدولية”، وأن هذه العزلة انتقلت من أوروبا إلى داخل الولايات المتحدة نفسها حيث يحتدم الجدل في الكونغرس حول تعديل المساعدات العسكرية، ورفض ترامب نفسه اللقاء بنتنياهو في نيويورك. غادر نتنياهو بعد يوم واحد فقط، وفي ظل هذا صعد إلى طائرته الخاصة متجهاً إلى أبو ظبي.
“الزيارة الخاطفة” — سرّ بات معلناً
في 27 سبتمبر، فجّرت القناة 12 الإسرائيلية الخبر: نتنياهو وصل صباحاً بطائرة خاصة إلى أبو ظبي سراً، والتقى محمد بن زايد، وبقي نحو أربع ساعات ثم عاد. أكدت وكالة أنباء الإمارات الزيارة لاحقاً ببيان مقتضب دون تفاصيل. لم يصدر مكتب رئيس الوزراء أي إعلان مسبق، لكنه بعدها أصدر بياناً يقول إن الشاباك تقدّم بشكوى إلى الرقابة العسكرية مطالباً بأقصى عقوبة ضد القناة 12، بحجة أن التقرير نُشر بينما كان نتنياهو لا يزال خارج البلاد، ما عرض للخطر أمنه وأمن الوفد المرافق بمن فيهم رئيس الموساد ورئيس مجلس الأمن القومي والسكرتير العسكري.
“زيارة سرية” تنفجر في التلفزيون الوطني قبل عودة رئيس الوزراء حدث نادر داخل المنظومة الأمنية.
والسؤال الأعمق: لماذا هذا الاستعجال؟ ولماذا لم تُراعَ حتى الحد الأدنى من السرية؟
“فضيحة التحذيرات” — المحرك المعلن
قبل أيام قليلة من الزيارة، نشرت “هآرتس” و”نيويورك تايمز” تقارير شديدة الخطورة: محمد بن زايد حذّر نتنياهو في اتصال هاتفي يوم 23 سبتمبر 2023 — أي قبل نحو أسبوعين من طوفان الأقصى — بأن يحيى السنوار يخطط لعملية كبيرة، لكن الأخير لم يمرّر هذه المعلومة إلى الأجهزة الأمنية. بالنسبة لنتنياهو، هذه قنبلة سياسية، فقد كان يلقي طوال الفترة الماضية مسؤولية فشل 7 أكتوبر على القيادة العسكرية والأجهزة الاستخبارية، مؤكداً أنه “لم يتلقَّ أي تحذير من أي زعيم أجنبي”. وبحسب أسوشيتد برس وموقع “تايمز أوف إسرائيل”، فإن أحد الأهداف المركزية للزيارة هو أن يطلب نتنياهو شخصياً من بن زايد أن ينفي علناً أنه أرسل مثل هذا التحذير، بل وطلب منه إنكار أي تفاصيل مرتبطة بأحداث 7 أكتوبر يمكن أن تسبب له مشاكل، وطلب منه “دعماً معنوياً” في مواجهة عزلته. لكن مكتب نتنياهو نفى هذا الطلب بشدة واصفاً إياه بـ”أخبار مزيفة”. ورد الإمارات كان فاتراً، إذ تعتبر أبو ظبي “فضيحة التحذيرات” شأناً داخلياً إسرائيلياً، وخصوصاً مع اقتراب الانتخابات، فهي لا تريد التدخل في الصراع السياسي الداخلي. بعبارة أخرى: نتنياهو أراد “شهادة براءة”، لكن الإمارات لم تكن مستعدة لمنحها.”
صدام حفتر” — “مصادفة” تفضح حسابات الأطراف
كشفت صحيفة “إل فوليو” الإيطالية أن صدام حفتر، نجل خليفة حفتر ونائبه، التقى نتنياهو في أبو ظبي. واستند التقرير إلى بيانات FlightRadar، مشيراً إلى أن طائرة حكومية ليبية وصلت إلى المطار نفسه بعد وقت قصير من هبوط طائرة نتنياهو. وزعم محمد بوعيصر، المستشار السياسي السابق لخليفة حفتر، أن صدام سعى إلى الحصول على دعم سياسي لترشحه للرئاسة الليبية، وأن الهدف هو استعادة شرعيته لدى واشنطن. لكن مصدراً أمنياً إسرائيلياً نفى لاحقاً هذا اللقاء بشكل قاطع، قائلاً إن نتنياهو التقى فقط محمد بن زايد.
وليس صدام غريباً على التواصل مع الكيان الصهيوني، فقد تتبعت “هآرتس” في 2021 طائرته الخاصة وهي تهبط في مطار بن غوريون، وذكرت “إسرائيل اليوم” أن عائلة حفتر توصلت عبر وساطة إماراتية إلى اتفاق مع شركة ضغط إسرائيلية. ظهوره “بالمصادفة” يعزز فرضية أن الكيان الصهيوني يحاول في غرب آسيا وشمال افريقيا تجاوز القنوات الرسمية وبناء اتصالات سرية مع قوى الأمر الواقع المحلية.
السعودية — البطل الغائب
قبل الزيارة، سرّبت القناة الإسرائيلية “كان” أن محمد بن سلمان قد ينضم إلى محادثات أبو ظبي، لكن مسؤولاً سعودياً رفيعاً نفى فوراً، مؤكداً أن ولي العهد لن يزور الإمارات ولن يلتقي نتنياهو. ورغم ذلك، نقلت شبكة الميادين عن مصادر دبلوماسية أن نائب الرئيس الإماراتي منصور بن زايد زار الرياض في تلك الفترة حاملاً رسالة شفهية من نتنياهو إلى بن سلمان تتعلق بالملف اليمني والتعاون الإقليمي. لكن تقارير إسرائيلية نقلت عن “يديعوت أحرونوت” عكس الصورة: السعودية هي التي طلبت عقد الاجتماع للحصول على مساعدة في مواجهة القوات المسلحة اليمنية، وأن رئيس الموساد هو من رتّب الزيارة.
ووفقاً لهذه التقارير، شارك في المرحلة الثانية ممثلون عن السعودية والأردن والمغرب — وفي روايات أخرى الكويت والبحرين وعُمان ومصر — وركّزت المحادثات على إيران وحلفاءها. وعرض الجانب الإسرائيلي تقديم مساعدات في أنظمة الدفاع الجوي على غرار ما قُدّم سابقاً للإمارات. لكن المفارقة أن التقارير نفسها تشير إلى أن أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية والعربية أظهرت عجزاً وهشاشة في اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، وعود نتنياهو بـ”المساعدة الدفاعية” تبقى محدودة الإقناع في مواجهة القدرات الصاروخية الفعلية لمحور المقاومة.
فرضية “الغلاف” — هل كان “طلب النفي” مجرد تمويه؟
المعطيات المتاحة تفتح احتمالاً أعمق: هل كانت رواية “طلب نفي تحذير أكتوبر” غلافاً لملف أكثر استعجالاً؟
ثمة تناقض لافت في سرديات الزيارة نفسها. رواية “الطلب الشخصي” تثير إشكالية منطقية: هل يُعقل أن يقوم رئيس وزراء، في خضم أزمة انتخابية وفضيحة أمنية وجودية، برحلة سرية محفوفة بالمخاطر إلى أبوظبي، فقط ليطلب نفيًا علنيًا من زعيم يعرف الجميع أنه لن يقدمه؟ ورواية “التنسيق الأمني الإقليمي” تطرح سؤالاً مماثلاً: لماذا لم تُدرج هذه الملفات على جدول الجمعية العامة إذا كانت بهذه الإلحاح؟ ثم إن التسريب جاء من القناة 12 الإسرائيلية المعروفة بعلاقاتها المعقدة مع نتنياهو، وقد يكون سُرّب ضده أو لصالحه، والمفارقة أن الزيارة نُشرت قبل عودة الطائرة إلى تل أبيب. وهذا يفتح احتمالين: إما أن التسريب كان استباقياً من جهة تريد إحراج نتنياهو أو إفشال الزيارة، أو أنه كان بموافقة ضمنية من طرف أراد صناعة رواية محددة تُبرز ملف تحذير أكتوبر بينما يُسكَت عن الملف الحقيقي.
وتعزز هذا الاحتمال تفاصيل كشفتها هيئة البث الإسرائيلية “كان 11”: الزيارة كانت مقررة أصلاً الأسبوع الماضي قبل خطاب الجمعية العامة، والاستعدادات لإقلاع الطائرة وصلت إلى مراحل متقدمة قبل إرجائها في اللحظة الأخيرة بعدما أبلغ الجانب الإماراتي إسرائيل بأن بن زايد “لم يكن موجوداً في البلاد”. وهذا يشير إلى أن الزيارة كانت مقررة منذ وقت سابق، أي أنها ليست رد فعل على فضيحة تحذير أكتوبر بل سبقتها أو تزامنت معها، وأن الإمارات كانت مترددة بشدة، وأن الضغط الإسرائيلي استُخدم لفرض الزيارة رغم التحفظ الإماراتي — وهذا لا يتسق تماماً مع رواية “طلب النفي” فقط. وإذا افترضنا أن “طلب النفي” هو الغلاف، فما هو الجوهر؟
ثمة فرضيات عدة: تنسيق عسكري استباقي ضد إيران أو القوات المسلحة اليمنية في توقيت محدد، إذ تشير تقارير متعددة إلى أن إيران كانت محوراً رئيسياً للمحادثات وأن السعودية هي التي طلبت الاجتماع للحصول على مساعدة في مواجهة القوات المسلحة اليمنية؛ أو تشكيل “محور إقليمي” ضد إيران، إذ ناقش الاجتماع وفقاً للقناة 14 الإسرائيلية ثلاثة محاور رئيسية هي استمرار التعاون الأمني بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي، ومواصلة مواجهة إيران والقوات المسلحة اليمنية، ودراسة تشكيل محور أو تحالف إقليمي لتحقيق هدف مشترك، وأوكلت مهمة إدارته إلى السفير الإسرائيلي في أبو ظبي يوسي شيلي؛ أو مقايضة — النفي مقابل شيء آخر — إذ السؤال: ماذا قدّم نتنياهو مقابل النفي؟ هل وعد الإمارات بتنسيق أمني ضد إيران؟ بمنظومات دفاع جوي؟ بموقف أمريكي معين؟ هذه المقايضة قد تكون الأصل في الزيارة بينما طلب النفي جزءاً من الثمن.
وإذا صحّت فرضية “الغلاف”، فإن التمويه يخدم عدة أطراف في وقت واحد: نتنياهو يريد تحويل الأنظار عن الملف الحقيقي إلى معركة “تحذير أكتوبر” التي يريد حسمها لصالحه انتخابياً؛ والإمارات قد تكون مستفيدة من حصر التغطية الإعلامية في ملف “تحذير أكتوبر” لأنه محرج لنتنياهو أكثر منها، بينما يُبعد الأنظار عن دورها في أي تنسيق عسكري ضد إيران؛ وأطراف إسرائيلية داخلية — الجيش أو الشاباك أو المعارضة — لديها مصلحة في تسريب أن الزيارة كانت حول “تحذير أكتوبر” لإحراج نتنياهو وإظهاره كمن يسعى لـ”شراء” نفي بدلاً من مواجهة مسؤوليته.
ما كتبته وسائل الإعلام الإيرانية — “التآمر السري”
قدّمت وسائل الإعلام الإيرانية الرئيسية — وعلى رأسها وكالة مهر للأنباء ووكالة فارس ومنابر أخرى مثل صحيفتي “جوان” و”وطن امروز” — رواية مختلفة جوهرياً، تُصنّف الزيارة بالإجماع على أنها “تآمر سري” و”مخطط جديد ضد إيران”. نقلت وكالة مهر عن قناة الميادين تأكيدها أن حكومة أبو ظبي اعترفت بزيارة نتنياهو الذي وصفته بـ”جزّار غزة”، ثم نقلت عن أسوشيتد برس أن هدفه هو مطالبة بن زايد بالتكذيب العلني لتقرير “هآرتس” حول تحذير 7 أكتوبر، مصوّرةً الزيارة على أنها رحلة “استغاثة” للهروب من أزمة داخلية.
أما وكالة فارس والمنابر الأخرى فركّزت على ثلاثة خطوط متقاطعة: تصنيف الزيارة كـ”خيانة” من الإمارات للعالم الإسلامي، وقد استخدم المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية مثلاً لانتقاد أبو ظبي: “من خان في السرّ، فُضح في العلن”؛ وكشف منطق “السرّ المفضوح”، إذ رأت صحيفة “وطن امروز” أن الجانب الإسرائيلي سرّب الزيارة عمداً بهدف ربط بن زايد بشكل أقوى بعربة الكيان الصهيوني وسدّ أي طريق أمام الإمارات للتقارب مع إيران وإجبارها على مزيد من الاعتماد على واشنطن وتل أبيب؛ والحديث عن “محور إقليمي” ضد إيران، إذ ناقش الاجتماع وفقاً لهذه الروايات التعاون الأمني بما فيه أنظمة الدفاع الجوي، ومواجهة إيران والقوات المسلحة اليمنية، ودراسة تشكيل تحالف إقليمي بمشاركة ممثلين عن أمريكا والكويت والبحرين وعُمان ومصر والمغرب.
وقد رأى المحلل أحمد زيدآبادي أن هذا اللقاء الأمني رفيع المستوى “ليس بالتأكيد للتخطيط لأمور تافهة” بل هو “سيناريو جديد” يستهدف إيران، داعياً إلى “حكمة سياسية خارقة” لإفشاله.
وهكذا تتقاسم وسائل الإعلام الإيرانية منطقاً سردياً موحداً يقوم على التركيز المتعمد على “غضب” الإمارات من تسريب الخبر بهدف تصوير موقفها بالحرج، وربط الملف مباشرة بـ”التهديد الإيراني” بدلاً من فضيحة “تحذير أكتوبر” الداخلية، وتصنيف الزيارة كـ”تواطؤ استراتيجي” يشكّل استعداداً حربياً مشتركاً ضد محور المقاومة. وباختصار، في الرواية الإيرانية، هذه الزيارة ليست مجرد زيارة دبلوماسية عابرة، بل هي “عملية سرية عالية الاستفزاز” قام بها الكيان الصهيوني بعد تلقيه ضربة في الجمعية العامة، لكسر عزلته وربط الدول العربية في مواجهة مشتركة ضد إيران.
“الضغط الصامت” لمحور المقاومة ومأزق الكيان الصهيوني
عند تجميع كل الشظايا، يبرز منطق واضح. مأزق نتنياهو مزدوج: خارجياً، انسحاب الجمعية العامة يعلن تسارع تآكل الشرعية الدولية، فانسحاب 77 وفداً ليس رد فعل لحظياً بل هو الحصيلة التراكمية لاستمرار الحرب على غزة وتوسيع الاستيطان والمغامرات العسكرية الإقليمية.
وداخلياً، “فضيحة التحذيرات” تفكك شريان الحياة السياسي لنتنياهو، فالسرد الذي بناه طويلاً — أن فشل 7 أكتوبر هو تقصير الجيش والاستخبارات — يواجه الآن خطر الانكشاف، ومع اقتراب الانتخابات فإن انهيار هذا السرد ستكون له تبعات كارثية. وفي ظل هذا الحصار الداخلي والخارجي، كانت رحلة أبو ظبي في جوهرها “اختراقاً جناحياً” في إطار تقهقر استراتيجي.
حاول نتنياهو وقف النزيف عبر خطين: إسكات الإمارات، وإعادة تنشيط التنسيق الأمني مع دول الخليج وتحويل بؤرة المواجهة من غزة إلى اليمن/إيران. لكن كلا الخطين واجه مقاومة: الإمارات لا تريد الانجرار إلى السياسة الداخلية، والسعودية تحافظ على مسافة، والزيارة السرية انفجرت في الإعلام، وشكوى الشاباك كشفت توتراً بين الأجهزة الأمنية ومكتب رئيس الوزراء. “السر” نفسه أصبح أكبر إحراج علني.
وفي المقابل، أظهر محور المقاومة نوعاً من الصلابة غير المتماثلة، فهو لا يحتاج إلى خطاب أنيق في الجمعية العامة ولا إلى دبلوماسية مكوكية سرية. أسلوب ضغطه هو الحضور المستمر وقدرة الاستنزاف: تهديد القوات المسلحة اليمنية للملاحة في البحر الأحمر، واشتباك حزب الله على الحدود الشمالية، وهجمات المقاومة العراقية على القواعد الأمريكية — جبهات متفرقة تشكّل مجتمعة بيئة استراتيجية تمنع الكيان الصهيوني وحلفاءه من تركيز الجهود أو إعلان النصر. وعد نتنياهو في أبو ظبي بـ”المساعدة الدفاعية” هو في حقيقة الأمر اعتراف معاكس بهذا الضغط: الكيان الصهيوني ودول الخليج تواجهان معاً خصماً لا يمكن حلّه بلقاء واحد أو منظومة دفاع جوي أو جولة قصف.
استنتاج ختامي
انسحاب 77 دولة وزيارة أبو ظبي السرية حدثان يبدوان منفصلين، لكنهما في الواقع وجهان لعملة واحدة: وجه العزلة الدبلوماسية، ووجه القلق الاستراتيجي. يستطيع نتنياهو أن يطير فوق الخليج بحثاً عن بيان تكذيب، لكنه لا يستطيع أن يطير فوق حقيقة أن نظاماً إقليمياً متعدد الأقطاب آخذ في التشكل، وأن نموذج بقاء الكيان الصهيوني القائم على “المظلة الأمريكية زائد القبول العربي الضمني” بدأ يتصدع بنيوياً. وإذا كان “طلب النفي” مجرد غلاف، فإن الملف الحقيقي — سواء كان تنسيقاً عسكرياً ضد إيران أو القوات المسلحة اليمنية، أو تشكيل محور إقليمي ضد محور المقاومة، أو ترتيبات لما بعد الانتخابات — يبقى محجوباً عن الإعلام، بينما “تحذير أكتوبر” يُقدَّم كرواية كاملة. وهذا ليس استثناءً في دبلوماسية المنطقة بل هو القاعدة: الزيارات السرية تُكشف دائماً من الزاوية التي تناسب أحد الأطراف. والسؤال الصحيح ليس “لماذا كُشف الخبر؟” بل “من كشفه، وماذا يُريد من كشفه بهذه الرواية تحديداً؟”
أما منطق محور المقاومة فبسيط: كلما أسرعت في ترقيع الشقوق، اتسعت الشقوق أكثر.
