نشأت إثيوبيا الحديثة، خلافًا للسردية الرسمية التي تقدمها كدولة “عريقة” ذات تاريخ متصل لآلاف السنين، من مشروع توسعي إمبراطوري قاده الأباطرة الأمهرة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وعلى رأسهم منليك الثاني.
فبين عامي 1880 و1900 تقريبًا، ضاعف منليك مساحة مملكة شوا الأمهرية عدة مرات عبر غزو أراضي الأورومو والصومال والسيداما وأفار وأقاليم الجنوب الغربي، فيما عُرف بـ”الحدود الجنوبية”، في توقيت يوازي “التدافع الأوروبي على أفريقيا”.
والمفارقة أن إثيوبيا التي تُصوَّر عادة كنقيض للاستعمار الأوروبي (بفضل انتصارها على إيطاليا في عدوة عام 1896) كانت هي نفسها تُمارس مشروعًا استعماريًا داخليًا، يقوم على إخضاع شعوب ذات لغات وثقافات وأديان مختلفة تمامًا عن النواة الأمهرية-التغراوية المسيحية الأرثوذكسية.
المشكلة الجوهرية أن الدولة الإثيوبية لم تُبنَ على أساس تعاقدي بين مكوناتها، بل عبر الإخضاع العسكري ثم فرض لغة الحكم (الأمهرية) ودين الحكم (المسيحية الأرثوذكسية) ونظام الأرض (القبالة/الگَبّار) الذي حوّل الفلاحين الأورومو والجنوبيين إلى أشباه أقنان يعملون لصالح النبلاء الأمهر الجدد.
هذا النمط من “الاستعمار الداخلي” خلق منذ اللحظة الأولى بنية هرمية غير متكافئة: مركز أمهري-تغراوي يحتكر السلطة والأرض والجيش والكنيسة، وأطراف (أورومو، صومال، سيداما، ولاييتا، وغيرها) تُدار كمناطق تابعة.
هذه البنية هي “البذرة” التي يحملها العنوان: فكل محاولة لاحقة لبناء دولة حديثة فوق هذا الأساس غير المتكافئ كانت محكومة بأن تُعيد إنتاج الصراع، بصرف النظر عن شكل النظام السياسي الذي يحكمها – ملكية مطلقة، أو نظام الدرق الماركسي، أو الفيدرالية الإثنية لاحقًا.
هنا تتقاطع الحالة الإثيوبية مع مأزق أعمّ عاشته القارة الأفريقية بأكملها. فالدولة القومية بمفهومها الأوروبي (أمة واحدة، لغة واحدة، سلطة مركزية واحدة، إقليم محدد الحدود) هي نموذج مستورد لا يعكس التركيبة الإثنية والثقافية الفعلية لأفريقيا ما قبل الاستعمار، حيث كانت الهويات أكثر مرونة وتداخلًا، وكانت الحدود السياسية تتبع شبكات القرابة والتجارة والانتماء الديني أكثر مما تتبع خطوطًا جغرافية صارمة.
عند خروج الاستعمار الأوروبي، وُرثت الحدود التي رسمها المستعمِر – غالبًا على طاولة مؤتمر برلين 1884-1885 بمسطرة وقلم، دون اعتبار للتوزيع الإثني على الأرض – وتحوّلت هذه الحدود الاستعمارية إلى حدود “الدول المستقلة” الجديدة، بموجب مبدأ “قدسية الحدود الموروثة” الذي تبنته منظمة الوحدة الأفريقية لاحقًا خشية فتح باب لا ينتهي من النزاعات الحدودية. والنتيجة كانت مزدوجة:
أولًا، الضمّ القسري لمجموعات متعددة داخل دولة واحدة:
دول مثل نيجيريا (هوسا-فولاني، يوروبا، إيغبو)، أو إثيوبيا نفسها (أكثر من ثمانين مجموعة إثنية) وجدت نفسها تضم شعوبًا لا تجمعها لغة ولا دين ولا ذاكرة تاريخية مشتركة، تحت سلطة مركزية غالبًا ما احتكرتها مجموعة واحدة مهيمنة سياسيًا واقتصاديًا.
ثانيًا، تقسيم المجموعة الإثنية الواحدة بين أكثر من دولة:
الصوماليون موزعون بين الصومال وإثيوبيا (أوغادين) وكينيا وجيبوتي؛ الأفار موزعون بين إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي؛ التيغراي موزعون بين إثيوبيا وإريتريا؛ الهوسا بين نيجيريا والنيجر؛ الأكان بين غانا وساحل العاج. هذا التمزق خلق حالة دائمة من “القومية العابرة للحدود” التي تغذي نزعات انفصالية أو مطالب بالتوحد، وتجعل من أي حدود سياسية موضع تساؤل مستمر.بعد سقوط نظام الدرق عام 1991، حاولت الجبهة الشعبية الثورية لتحرير تيغراي (TPLF) معالجة هذا الإرث عبر تبنّي دستور 1995 القائم على “الفيدرالية الإثنية”، بتقسيم البلاد إلى أقاليم (كيليل) على أساس عرقي-لغوي، ومنح المادة 39 للأقاليم حق الانفصال نظريًا. كانت الفكرة تسكين المظالم القومية القديمة عبر اعتراف رسمي بالتعدد بدل إنكاره.
لكن هذا الحل حمل تناقضه الخاص: فبدل أن يذيب الهويات الإثنية في مواطنة جامعة، رسّخها ومأسسها، وحوّل الإثنية إلى العملة السياسية الوحيدة المتاحة للتنافس على السلطة والموارد، فيما ظل الحكم الفعلي محتكَرًا لنخبة تغراوية ضيقة حتى 2018. والنتيجة أن الفيدرالية الإثنية لم تفكك المركزية القديمة بقدر ما أعادت توزيع نفس منطق الهيمنة تحت غطاء جديد، ومهّدت لاحقًا – مع صعود آبي أحمد وتراجع نفوذ التغراي – لحرب تيغراي (2020-2022) ثم لموجات العنف المستمرة في أوروميا وأمهرة والصراع الحالي بين تحالف عدد من القوميات ضد الحكومة المركزية.
إثيوبيا الإمبراطورية، إذن، لم تكن استثناءً أفريقيًا ناجحًا في مواجهة الاستعمار بقدر ما كانت نسخة محلية مبكرة من نفس المعضلة: دولة بُنيت بالقوة على تنوع لم يُستشَر في شروط اندماجه، ثم توارثت الأنظمة المتعاقبة – الإمبراطورية، ثم الاشتراكية العسكرية، ثم الفيدرالية الإثنية – نفس السؤال المؤجل: كيف تُبنى شرعية سياسية تعترف بالتعدد دون أن تتحول الإثنية نفسها إلى سلاح؟
إلى أن يُحسم هذا السؤال عبر عقد سياسي حقيقي بدل الإخضاع أو إعادة التقسيم الإداري، ستظل بذور الصراع التي زرعها التأسيس الإمبراطوري تنبت من جديد مع كل أزمة سياسية.
محمد سيد احمد محمد-السودان
