القسم المذبوح على طابور المدرسة
بقلم: عفاف فيصل صالح
أمام هذا الرعب المخيف يقف عقلي مذهول يسأل الخونة الذين صافحوا الغدر ألم يشربون من الكأس ذاتها التي شربنا منها الشغف؟ ألم تقف أقدامهم منذ الصغر معنا على تراب الساحات الترابية، وتُخفق صدورهم الصغيرة وهم يرتمون في أحضان الصباح مع هتاف(رددي أيتها الدنيا نشيدي)!؟ ألم تشتعل عيونهم بالدمع النبيل وهم يصرخون حتى بَحّت الحناجر(وسيبقى نبض قلبي يمنيًا)!؟
كيف لإنسان أن يطوي ملحمة طفولته بين ليلة وضحاها؟ كيف ينسلخ المرء عن جلده، وكيف يستطيع طفل غرس في حشاشته عهد الوطن كل صباح، أن ينمو في الظل حتى يصبح خنجر يطعن الحشاء التي غذّته؟
أي مسخٍ خفي دخل بين براءة الصبي الذي كان يرفع كفه الصغيرة مستجدياً طُهر العلم، وبين الكهل الذي يقف اليوم بدم بارد ليقبض ثمن الخراب؟ أي هاوية سحيقة ابتلعت كل تلك البهجة الناصعة؟ أم أن الحقيقة أشد الم أنهم كبروا بأجسادهم فقط، بينما سقطت أرواحهم صريعة عند أول الخطى، فبقيت عهودهم ملقاةً في أرض الطابور المهجور، ومضوا هم بلا أرواح، يسيرون بيننا كالجثث التي نسيت كيف تفي بالوعود؟
أي شؤم يجعل العقل يستوعب أن الصدر الذي امتلأ يوماً بالنفس العميق لنشيد الخلود، هو ذاته الصدر الذي يتنفس اليوم من رئة الأعداء؟ ألا يخنقهم الهتّاف لن ترى الدنيا على أرضي وصيا وهو يتردد في أروقة ذاكرتهم؟ ألا تفزعهم أشباح أطفال كانوا هم أنفسهم يوم كانت البراءة تُشرق من أعينهم، وهم يرون أنفسهم اليوم قد اصبحوا التجار الذين يبيعون الحجر والشجر والدم؟
يا لفضاعة هذه الهاوية! أن تحفر بيدك قبر الأرض التي حملتك، وأن تسير في أزقتها وكأن خطواتك لا تطأ رفات أبناء جلدتك!
إنها ليست مجرد خيانة، بل انتحار روحي كامل؛ فمن يبع وطنه لا يفقد الأرض فحسب، بل يفقد ظله، وذاكرته، وحقه في أن يُذكر بعد الموت إلا كغصةٍ في حلق التاريخ. لقد تركوا وراءهم طُهر الطابور، ووفاء الصباح، ونقاء العهد ومضوا غُرباء في الدنيا تحرقهم الشكوك وتلاحقهم صرخات الأطفال الذين لا يزالون يترنمون بالنشيد ذاته.
