الاتفاق كما وقّعتموه لا كما يكتبه جان عزيز

ناصر قنديل

يستحق المقال الذي نشره مستشار رئيس الجمهورية جان عزيز في موقع Just Security” ” الأميركي، تحت عنوان «لا تدعوا اتفاق السلام مع لبنان يثبت صواب رواية حزب الله»، قراءة دقيقة لا تقف عند انتقاد الاحتلال الإسرائيلي أو المطالبة بانسحابه. فالمقال ينطوي على رسائل سياسية وفكرية تتجاوز ظاهره، ويحاول إعادة كتابة قصة اتفاق 26 حزيران بعدما بدأت نتائجه تظهر، لا كما حذّر معارضوه فقط، بل كما يقول نصه وآلياته. وقد صار واضحاً أن الاحتلال أخذ من الاتفاق ما أراده، ثم احتفظ بالأرض وحرية العدوان، وجعل الانسحاب جائزة مشروطة بإنجاز لبنان مهمة نزع سلاح المقاومة.

الرسالة الأولى التي يريد المقال تمريرها هي أن لبنان ملتزم بالذهاب إلى سلام منفرد مع كيان الاحتلال، من خارج الشروط الملزمة لمبادرة السلام العربية. فالعنوان نفسه لا يتحدّث عن اتفاق أمني أو ترتيبات انسحاب، بل عن «اتفاق سلام مع لبنان». وعندما يستحضر الكاتب مبادرة بيروت لعام 2002 في ختام مقاله، لا يجعل منها مرجعيّة حاكمة تشترط الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة والتوصل إلى تسوية عادلة للقضية الفلسطينية قبل التطبيع، بل يستخدمها غطاءً لإثبات أن لبنان لا يرفض السلام. وهو يقول إن سلام لبنان لا يمكن فصله «بالكامل» عن التسوية الأوسع، أي إنه يقبل بفصله جزئياً والسير به في مسار مستقل. والمعادلة التي يعرضها على واشنطن واضحة: انسحاب من لبنان مقابل سلام لبناني، بصرف النظر عن مصير فلسطين وبقية الأراضي العربية المحتلة.

الرسالة الثانية هي محاولة التبرؤ من الالتزامات المذلة والمهينة الواردة في اتفاق 26 حزيران، الذي تم توقيعه بأمر مباشر من رئيس الجمهورية ومن خارج الأصول الدستورية، عبر الحديث عن تفاهم ضمنيّ نشأ خلال زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن. يقول عزيز إن الاتفاق كان يُفترض أن يبدأ بانسحاب الاحتلال، ثم انتشار الجيش وعودة السكان والإعمار، وصولاً إلى معالجة السلاح. لكن ما تطبّقه “إسرائيل” هو العكس تماماً: إثبات الجيش قدرته في «المناطق التجريبية»، والتقدّم في نزع السلاح، ثم النظر في توسيع الانسحاب.
السؤال هو: أين كُتبت الآلية التي يتحدّث عنها جان عزيز؟ أين النص الذي يلزم “إسرائيل” بالانسحاب أولاً أو بالتزامن مع انتشار الجيش؟ وأين التعهد الأميركي الذي يضمن وقف العدوان والإعمار؟ إن الاتفاقات لا تُفسّر بالأمنيات والوعود الشفوية، بل بنصوصها وآلياتها. وإذا كان ثمة تعديل تمّ في واشنطن، فليظهر في ملحق تنفيذي ثلاثي يصدر عن اجتماع رسمي، كما صدر الاتفاق نفسه. أما إذا لم يوجد مثل هذا النص، فإن “إسرائيل” لا تنقلب على الاتفاق، بل تستخدم بدقة المكاسب التي منحها إياها. وعندها لا يبرئ الحديث عن تفاهم شفوي الرئاسة، بل يفاقم مسؤوليتها؛ لأنها تكون قد وقّعت نصاً يناقض الوعود التي تقول إنها تلقتها.

الرسالة الثالثة هي إعلان غير رسميّ لفشل الاتفاق، والتحذير من أن خطورة هذا الفشل لا تكمن في بقاء الاحتلال والعدوان وحدهما، بل في سقوط منطق السلطة أمام منطق المقاومة. فالسلطة قالت للبنانيين إن التفاوض والضمانة الأميركية يستطيعان تحقيق الانسحاب والحماية، وإن المقاومة لم تعُد ضرورة. بينما حذرت المقاومة من أن الاتفاق يحوّل الانسحاب من حق إلى مكافأة، ويمنح الاحتلال حرية العمل العسكري، ويستخدم عودة السكان والإعمار أداة ضغط لنزع السلاح. واليوم يعترف جان عزيز بأن بقاء الاحتلال سوف يمنح المقاومة أدلة جديدة على صحة روايتها.

لكن الكاتب لا يخاطب الأميركي والإسرائيلي من موقع الخصومة، بل من موقع الشريك الذي يخشى سقوط مشروع مشترك. ومضمون استغاثته هو أن هزيمة السلطة أمام صدق خطاب المقاومة ستكون هزيمة لواشنطن وتل أبيب أيضاً. أي إن الرسالة تقول: إننا معكم في مركب واحد، وهدفنا المشترك إنهاء الدور العسكريّ للمقاومة، مذكراً بخطورة تجذر إيران في لبنان لإثارة الجزع الأميركي واستنهاض همته لمنع وقوع الكارثة، فيقول للإسرائيليين: إن طريقتكم في الاحتفاظ بالأرض ومواصلة العدوان تهزمنا معاً وتمنح خصمنا المشترك قوة إضافية. أعطونا الانسحاب والإعمار ودعم الجيش، كي نستطيع من داخل لبنان إنجاز ما عجزتم عن إنجازه بالحرب.

أما الرسالة الرابعة، فهي الأخطر؛ لأنها تتضمّن تعهداً بأن السلطة، إذا تلقت الدعم المناسب وسُهّلت مهمتها، لن تكتفي بنزع السلاح، بل ستذهب إلى تفكيك البنية البشرية والاجتماعية والاقتصادية للمقاومة. فالمقال يتحدّث عن «نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج»، وعن مستقبل مدني للمقاتلين، وإحلال مؤسسات الدولة محل شبكات الحماية والخدمات المرتبطة بالمقاومة، ومنع استمرار استقلاليتها العسكرية «تحت اسم آخر».

هذا ليس مشروعاً لتنظيم السلاح داخل الدولة، ولا استراتيجية دفاعية توضع بالتوافق الوطني، ولا اعترافاً بمكانة المقاومة وحجم تمثيلها الشعبي والنيابي ودورها التاريخي. إنه مشروع لتفكيكها وتحويل مقاتليها إلى أفراد منفصلين عن تنظيمهم، واستبدال مؤسساتها الاجتماعية، وإعادة تشكيل علاقة بيئتها بها. وحتى الحديث عن حماية الطائفة الشيعية ومكانتها السياسية ومصالحها الاقتصادية يأتي بوصفه ثمناً انتقالياً لإقناع البيئة بقبول إنهاء المقاومة، لا اعترافاً بحقها في المشاركة في صياغة مستقبل الدفاع عن لبنان.

الجواب عن كل هذا بسيط: الاتفاق هو كما قرأناه في نصوصه، لا كما يحاول جان عزيز إعادة كتابته بعد فشله. وكل ما يلحق بلبنان من ذلّ وهوان وعدوان واحتلال وتهجير وتفجير هو من ثمرات اتفاقكم اللعين. وإذا كنتم صادقين في الحديث عن تفاهمات جديدة، فأظهروا نصوصها في ملحق رسميّ ملزم. أما محاولة استبدال الاتفاق المكتوب برواية عن وعود واشنطن، فلن تغيّر شيئاً في الوقائع.

ولا تعاطف مع فشلكم، ولا شفقة على سقوط مشروعكم. فنداء الاستغاثة الذي يقول للأميركي والإسرائيلي «أنقذونا كي لا نسقط معاً» لن يجدي نفعاً. لقد حصلوا منكم على ما أرادوا، ولم يعد لديهم سبب للتنازل. انتهت صلاحية العبوة بعدما استُهلك مضمونها. فلماذا يتخلى الاحتلال عن أرض يحتفظ بها، وعن حرية عدوان كرّسها، وعن اتفاق يمنحه حق تقييم أداء الجيش والدولة، استجابة لمقال يشرح نيات لم تتحوّل إلى نصوص؟

هذا ما حذّرناكم منه، لكنكم لم تقبلوا الإصغاء. وسلامكم له نسخة عمرها ثلاثة وثلاثون عاماً في الضفة الغربية، هي ثمرة أوهام اتفاق أوسلو. جرى الاعتراف والتنسيق الأمني وتقديم الالتزامات تحت عنوان مرحلة انتقالية تقود إلى الدولة وإنهاء الاحتلال، فكانت النتيجة تضاعف الاستيطان وتحوّل السلطة إلى حارس لترتيبات أمنية لا تملك قرارها.

والرهان على الانسحاب عبر التفاوض بالتوازي مع ضرب المقاومة نسخة أصلية حاضرة في سوريا، حيث نُفذ كل ما تعدون بتنفيذه وتحلمون ببلوغه، والحديث كما تتحدّثون عن ضمانات أميركية، فكانت النتيجة توسّع الاحتلال وتمدّد مساحة العدوان. لأن “إسرائيل” عندما تتأكد من غياب القوة التي تردعها لا تنسحب، بل تتقدّم، وعندما تحصل بالتفاوض على ما عجزت عن أخذه بالحرب لا تقدّم مقابلاً، بل تحول التنازل الأول إلى قاعدة لطلب التنازل التالي.

إذا أرادت السلطة مراجعة حقيقية، فلتتراجع عن الاتفاق، ولتعد إلى الدستور والمؤسسات والوفاق الوطني، ولترفض ربط الانسحاب بنزع السلاح، ولتفتح حواراً حول استراتيجية دفاعية تحفظ قوة لبنان ومكانة المقاومة. أما الألعاب البهلوانية التي تزعم أن الاتفاق جيد لكن “إسرائيل” أساءت تطبيقه، وأن الرئيس أراد شيئاً ووقّع شيئاً آخر، وأن واشنطن وعدت بما لم تكتبه، فهذا الفيلم سبق وحضرناه مع اتفاق 17 أيار وكان الدواء إسقاط الاتفاق، وقد ألغاه من وقعه ومن أجاز توقيعه، ولذلك هذه المناورات لن تقنع أحداً. الاتفاق هو ما وقّعتموه، ونتائجه هي ما يعيشه اللبنانيون. ومَن يريد المراجعة يبدأ بالاعتراف بالخطأ والتراجع عنه، لا بمحاولة الالتفاف على معناه بعد سقوطه.

المصدر: البناء