حكايات عن السجن والحرب الحلقة السابعة: مداهمات طوال الوقت
كميل أبو حنيش/ عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
قبل الحرب، كانت مداهمات شرطة السجون لغرف الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال تأتي على فتراتٍ متباعدة، ولها أسبابها وملابساتها؛ كالتفتيش الروتيني، أو البحث عن الهواتف أو المواد المكتوبة، أو بسبب بروز إشكالية تبرِّر للإدارة اقتحام الغرف وقمعها. غير أنها منذ بداية السابع من أكتوبر اكتسبت زخمًا كبيرًا، واتسمت بالعنف والسادية، ولا يكاد يمرُّ يومٌ من دون اقتحام قسم أو غرفة أو مجموعة غرف، بطريقةٍ همجية تنمُّ عن روحٍ انتقامية.
لقد جرَّدت إدارة السجون الأسرى من أمتعتهم بالتدريج، ولم يتبقَّ للأسير داخل غرفته سوى القليل من المتاع الزهيد، وغدت أبسط الأشياء مُلاحَقةً وممنوعةً، كقُلامة الأظافر، أو الملعقة، أو الطبق، أو المشط. وكانت الغرف مقفلةً طوال الوقت، بلا كهرباء أو مياه ساخنة. غير أن ذلك لم يمنع إدارة السجن من تنظيم اقتحامات واعتداءات متواصلة، بهدف إبقاء الأسرى في حالة ترقُّب وقلق وتوتُّر وخوف، ومواصلة عزلهم وإذلالهم وإهانة كرامتهم الإنسانية.
ومنذ الأيام الأولى للحرب، اتسمت المداهمات بالعنف، ورشِّ الغاز، واستخدام الهراوات والضرب المبرِّح في بعض السجون، كمجدو والنقب وجلبوع وعوفر، وأدَّت هذه السياسة إلى قتل عدد من الأسرى، كما حدث مع الأسير ثائر أبو عصب في سجن النقب، الذي جرى الاعتداء عليه بوحشية. أما في بقية السجون، كريمون ونفحة، فكانت المداهمات واستخدام العنف يجريان بصورةٍ متدرجة وبطيئة، لكنها تصاعدت مع الوقت، بعد توحيد الإجراءات والإشراف عليها مركزيًا، وبإشراف مباشر من وزير القمع الفاشي بن غفير.
وقد اتخذت هذه المداهمات عدة أشكال؛ ففي البدايات كانت تتم بصورةٍ اعتيادية، كحشد عدد من الشرطة واقتحام إحدى الغرف، وتقييد الأسرى وإخراجهم خارجها، ووضعهم في الكنتين أو المطبخ اوالمكتبة، ومن ثم إجراء تفتيش داخل الغرفة. وإذا عثرت الإدارة على إحدى الممنوعات، كالراديو أو الكشاطة أو الهاتف أو غيرها، كانت تجري عملية إفراغ الغرفة من الفرشات والأغطية والملابس، ويُرغَم الأسرى على النوم على الأسرّة الحديدية أو الأرض لمدة 24 ساعة كعقوبة.
لكن هذه الإجراءات تصاعدت، بحيث أخذت شكل اقتحامات لوحدات مدجَّجة بالأسلحة النارية والهراوات والغاز، كالمتسادا واليماز. وكان أفراد هذه الوحدات مقنَّعين، ويقومون بالدخول إلى القسم بطريقةٍ استعراضية، مع إطلاق القنابل الصوتية والرصاص ورشِّ الغاز، ومن ثم يجري اقتحام غرفة أو عدة غرف، والاعتداء على قاطنيها بالضرب المبرِّح، وأحيانًا بإطلاق النار على أطراف بعض الأسرى، ومن ثم تقييدهم وإجبارهم على الاستلقاء لساعاتٍ على بطونهم.
وكانت هذه الاقتحامات تتم في ساعات النهار أو الليل أو عند ساعات الفجر الأولى، وكثيرًا ما كان يُصاب عدد من الأسرى، إما بإطلاق النار، أو بسبب الضرب الوحشي والاختناق بالغاز. أما في المناسبات والأعياد اليهودية، كيوم السابع من أكتوبر، أو الاستقلال، أو ذكرى الهولوكوست، فكان يجري حشد العشرات من الشرطة في مختلف السجون، وتُنفَّذ عمليات اقتحام لمعظم الأقسام، ومداهمة بعض الغرف والاعتداء على الأسرى بصورةٍ همجية. وكانوا يركِّزون الضرب على القفص الصدري والبطن والأعضاء التناسلية، مصحوبة بالشتائم النابية.
وكانت هذه الاعتداءات لا تستثني أحدًا: شابًّا، أو مسنًّا، أو مريضًا، من دون مراعاةٍ لأي حالات خاصة. ومع الوقت، تحوَّلت هذه المداهمات إلى كابوس حقيقي، خاصةً أنَّه في كل مداهمة كانوا يعمدون إلى تخريب الأمتعة ومصادرتها.
فماذا كانت تفعل الأجسادُ الجائعة؟ كيف كنّا نقاوم هذا الألم والمعاناة اليومية؟ كنّا نتسلَّح بالإيمان والإرادة والصبر، ونواصل الحياة رغم معاناتها، وكان أكثر ما يستفزُّ السجّانين قدرة الأسير الفلسطيني على التأقلم والسخرية والضحك.
كنّا نعتقد، مخطئين، أن مسلسل القمع والتنكيل سوف ينتهي بعد عقد الصفقة وتوقُّف الحرب؛ لكن هذه الإجراءات كانت تتصاعد بعد كل مرحلة من مراحل الصفقة.
وفي الوقت الراهن، وبعد مرور قرابة العام على وقف إطلاق النار وعقد الصفقة، لا تزال السجون تشهد أعتى ممارسات القمع والتنكيل والانتقام، حيث تزايدت هذه الإجراءات وازدادت حدَّتها، وهو ما يفاقم خطورة الأوضاع على الأسرى، ويعرِّض حياتهم للخطر الحقيقي، ما لم يتحرَّك العالم لإنقاذهم.