إسلام آباد — في تصريح يحمل دلالات استراتيجية تتجاوز حدود الموقف السياسي العابر، أكد وزير الدفاع الباكستاني خواجه محمد آصف أن الكيان الصهيوني هو من يقف وراء الحروب المتصاعدة في المنطقة، وهو المستفيد الأول من تدهور الأمن فيها، غير أن القتال البطولي للجمهورية الإسلامية الإيرانية ولبنان وفلسطين، قد قلَب المعادلة وجعل الصهاينة هم الخاسر الأكبر في هذه الحرب.
يأتي هذا الموقف في وقت تشهد فيه الساحة الإقليمية تصعيداً متعدد الجبهات، بين استمرار العمليات العسكرية الصهيونية في جنوب لبنان وقطاع غزة، وتبادل التهديدات مع طهران، ما يجعل تقييم وزير الدفاع الباكستاني ليس مجرد تعليق سياسي، بل قراءة في ميزان قوى يتشكل من جديد في غرب آسيا.
“الكيان الصهيوني” بين فخ الاستنزاف ووهم الحسم العسكري
يرتكز تحليل آصف على مفارقة مركزية: رغم التفوق العسكري النوعي الذي يمتلكه الكيان الصهيوني، والقوة النارية الهائلة التي وظّفها في لبنان وغزة، فإنه لم يتمكن من تحقيق أهدافه الاستراتيجية المعلنة — وأبرزها تفكيك قدرات المقاومة وإنهاء وجودها الفاعل. وبدلاً من ذلك، وجد نفسه غارقاً في حرب استنزاف طويلة الأمد، تستنزف اقتصاده وجيشه واحتياطيه البشري، وتضرب بعمق شرعيته الدولية.
وتقدّم التطورات الميدانية في جنوب لبنان شاهداً مباشراً على هذا الطرح. ففي حين أعلن الجيش الصهيوني مراراً السيطرة على مواقع استراتيجية مثل تلة “علي الطاهر” وشبكة الأنفاق التحتية المرتبطة بها، ردّ حزب الله باستمرار بعمليات صاروخية وبمسيّرات، ما يعني عملياً أن السيطرة الميدانية لم تتحول إلى أمن دائم، بل بقيت عرضة للنقض والاستنزاف في دورة لا تنتهي من “التمشيط وإعادة التسلل”.
أما في الجبهة الإيرانية، فإن التهديدات الصهيونية المتكررة بضرب المنشآت النووية والنفطية، وإن بدت تصعيدية في ظاهرها، فإنها تكشف في جوهرها عن انتقال في الاستراتيجية الصهيونية من السعي إلى حسم عسكري سريع، إلى راهن “الخنق الاقتصادي” والضغط من الداخل. تصريحات وزير الدفاع الصهيوني يسرائيل كاتس حول أن “إيران تتعرض لضغط اقتصادي شديد” ليست تعبيراً عن قوة، بل عن تحوّل في الأدوات بعد فشل الأدوات العسكرية المباشرة في تحقيق نتائج حاسمة.
باكستان… موقع فريد وخطاب ذو ثقل
لا يمكن قراءة تصريح الوزير الباكستاني بمعزل عن الموقع الدبلوماسي الدقيق الذي تحتله إسلام آباد حالياً. فباكستان هي اليوم واحدة من القلائل — إن لم تكن الوحيدة — التي تجمع بين كونها قناة اتصال غير مباشرة بين واشنطن وطهران، وقوة إسلامية نووية تحتفظ بعلاقات معقّدة مع واشنطن ودول الخليج، وفي الوقت نفسه تصف علاقتها بإيران بـ”الأخوية”.هذا الموقع المزدوج يمنح كلمات آصف ثقلاً يتجاوز الخطاب الدعائي. فحين يقول إن “الكيان الصهيوني” هو الخاسر الأكبر، فهو لا يعبّر عن موقف تضامني عاطفي فحسب، بل يقدم تقييماً استراتيجياً لدولة تمتلك أجهزة استخبارات وقنوات اتصال تتيح لها قراءة ميدانية مستقلة.
وقد أشارت تقارير دبلوماسية إلى أن باكستان تلعب دوراً حساساً “على حافة الحلاقة” — أي توازن دقيق بين الحفاظ على قنوات الحوار مع الولايات المتحدة والغرب من جهة، وعدم المساس بالعلاقة الاستراتيجية مع طهران من جهة أخرى.وتكمن أهمية الموقف الباكستاني أيضاً في توقيته. فمع دخول أي ترتيبات لوقف إطلاق النار أو تسوية إقليمية محتملة مرحلة التفاوض، يصبح من الضروري تحديد “من انتصر ومن خسر”.
وهنا يسعى الخطاب الباكستاني إلى ترسيخ سردية مفادها أن أي أمن إقليمي دائم في غرب آسيا لا يمكن بناؤه على افتراض “انتصار صهيوني”، لأن الوقائع على الأرض — بحسب هذا التحليل — تثبت العكس.
اتفاقيات وقف النار… غطاء هشّ لحرب مستمرة
تكمن المفارقة الكبرى في أن المشهد الدبلوماسي الذي يوحي بتهدئة، يتعارض مع واقع ميداني دامٍ لم يتوقف. فالإطار الذي وُقّع في يونيو الماضي خفّض من حدة المواجهات واسعة النطاق، لكنه لم يوقف القتل.
تقارير منظمات حقوقية دولية، من بينها المجلس النرويجي للاجئين، وثّقت استمرار سقوط ضحايا مدنيين في جنوب لبنان، بينهم نساء وأطفال، خلال أيام قليلة من شهر سبتمبر، ما يكشف أن “وقف النار” لم يكن سوى غطاء هشّ لحرب منخفضة الحدة.
هذا الوضع “اللاحرب واللاسلم” يشكّل استنزافاً عميقاً للكيان الصهيوني: تعبئة عسكرية مستمرة، تعرض متواصل لصواريخ ومسيّرات، ضغط دولي متصاعد بسبب الخسائر المدنية، وكل ذلك مقابل مكاسب استراتيجية تتقلص يوماً بعد يوم.
في المقابل، يرفض حزب الله أي نقاش حول تسليم سلاحه أو تقليص وجوده قبل انسحاب صهيوني كامل من الأراضي اللبنانية، ما يضع الكيان الصهيوني في مأزق مزدوج: البقاء يعني الاستمرار في النزيف، والانسحاب يعني الاعتراف بعدم تحقيق الأهداف.
نحو توازن جديد… حين يتحول التفوق إلى عبء
خلاصة ما يطرحه وزير الدفاع الباكستاني — بعيداً عن لغته السياسية الحادة — هو أن غرب آسيا يشهد ولادة توازن جديد للقوى، لا يقوم على فكرة “الانتصار الكامل”، بل على قدرة كل طرف على التحمل والصمود.
وفي هذا الإطار، تمنح الحرب غير المتكافئة — بالمعنى التقليدي — أطرافاً أقل تسليحاً قدرة متزايدة على فرض شروطها التفاوضية، لأنها لا تحتاج إلى “الفوز” بالمعنى الكلاسيكي، بل يكفيها أن “لا تخسر”.
بالنسبة لباكستان، التي تسعى لأن تكون جزءاً من أي ترتيب إقليمي مستقبلي، فإن الاعتراف بهذه الحقيقة ليس مجرد موقف سياسي، بل شرط أساسي لأي حل مستدام. فالمعادلة الجديدة في غرب آسيا — كما يراها الإسلام آباد — لم تعد تُبنى على من يملك أقوى الجيوش، بل على من يستطيع أن يصمد أطول، وأن يفرض وقائع جديدة على الأرض قبل أن تفرض عليه أي تسوية.
