في لحظة تاريخية حساسة تمر بها الأمة، حيث تتكشف تدريجياً خيوط المؤامرات الكبرى التي تستهدف إبادة قوى التحرر والمقاومة، تتصاعد أدوات الهيمنة الاستعمارية وأتباعها في المنطقة لمحاولة ترميم مشروعهم المنهار. وما تعميم المديرية العامة للأوقاف الإسلامية في لبنان – بتوجيهات رسمية – القاضي بتسخير منابر الجمعة لخدمة سرديات سياسية إقليمية محددة، إلا حلقة جديدة في مسلسل طويل من مصادرة القرار الديني وتحويله إلى مجرد صدى لغرف عمليات الرجعية العربية المرتبطة بالدوائر الاستعمارية الغربية.

أولاً: تطويع المنبر الديني.. من هداية الأمة إلى خدمة الدعاية السوداء
لقد وُضعت المنابر الإسلامية، تاريخياً، لتكون حصناً للحق، وموئلاً للمستضعفين، وصوتًا مدوياً في وجه الظلم والطغيان والاستعمار. غير أن الهيمنة المتسلطة على مقدرات دار الفتوى في لبنان سعت، وبشكل ممنهج، إلى مسخ هذه الهوية. إن إجبار الخطباء على تحويل خطبة الجمعة من منبر للتقوى والوعظ والذود عن قضايا الأمة الكبرى (وفي مقدمتها فلسطين وحقوق الشعوب المظلومة) إلى أداة ترويجية لخدمة مصالح أنظمة الاستبداد الإقليمي والتبعية، يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن هناك إصراراً على تدجين الوعي الجمعي، واستخدام الدين رداءً سياسياً لتبييض صفحة الأنظمة المتواطئة مع المشاريع الصهيو-أمريكية.
ثانياً: جذور الانحدار المؤسساتي.. من اتفاق الطائف إلى الوصاية الممنهجة
إن هذا السقوط الممنهج للمؤسسة الدينية الرسمية لم يأت من فراغ، بل هو نتاج مسار سياسي واعي أُسس له في محطات مفصلية من تاريخ لبنان الحديث. فمع إرساء قواعد “اتفاق الطائف” عام 1990، جرت إعادة هندسة البنية السياسية والدينية في البلاد بما يضمن خضوع المؤسسات الإسلامية الرسمية للوصاية الخارجية، وتمويل شبكات النفوذ الخليجي والرجعي.
لقد تطلب تمرير هذا المشروع الاستعماري إزاحة الرموز الوطنية والاسلامية الحرة التي رفضت تدجين المؤسسة أو بيع قرارها؛ وهنا يبرز الدلالة التاريخية الفاجعة لاغتيال سماحة المفتي الشهيد حسن خالد عام 1989، كعملية إرهابية منظمة استهدفت اقتلاع الصوت الإسلامي المستقل الذي كان يمثله، لفسح المجال أمام جيل من الموظفين والأتباع الذين يقبضون ثمن مواقفهم ولاءً لدفاتر الشيكات الخارجية، ولتحويل المدارس والمعاهد الدينية إلى مفرخات لخطاب ديني مشوه يخدم الأجندات الاستعمارية.
ثالثاً: تزييف الوعي وصرف الانتباه عن المعركة الكبرى
في الوقت الذي يتعرض فيه لبنان وفلسطين ومنطقتنا لأشرس عدوان استعماري وصهيوني يهدف إلى كسر إرادة المقاومة وتهجير الشعوب وطمس الهوية، تخرج الأجهزة الرسمية التابعة لدار الفتوى بتعليمات مفروضة لصرف أنظار المصلين عن المعركة الوجودية الحقيقية. إن هذا الانخراط الفاضح في توجيه الخطاب الديني نحو معارك وهمية أو دعايات سياسية مغرضة، هو محاولة بائسة لخدمة الدوائر الاستعمارية التي تؤلمها انتصارات مشروع المقاومة وصمود الشعوب الحرة.
بقاء الأحرار فوق وصاية التابعين
إن محاولات تدجين الوعي اللبناني والإسلامي عبر السيطرة على المساجد والمنابر ستصطدم حتماً بوعي الأمة وصلابة أحرارها. فالمنبر الذي ولد لنصرة المستضعفين وقهر الطغاة لا يمكن أن يتحول طويلاً إلى مجرد بوق مأجور لخدمة غرف الاستعمار. التاريخ لا يرحم، وشعوبنا التي تقدم قوافل الشهداء على طريق العزة والكرامة قادرة على إسقاط كل أدوات الوصاية، سواء أكانت ترتدي عمامات رسمية أو تسير في ركب التبعية الذليلة.
د. نبيلة عفيف غصن
