حكاياتٌ عن السجن والحرب
الحلقة السادسة: انتشار الأمراض الجلدية
كميل أبو حنيش/ عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
مُنذُ اليوم الأوّل للحرب، عمدت إدارات السجون إلى إغلاق الغُرَف على الأسرى، ومنع خروجهم بتاتًا إلى الفَوْرة مدة ستة أشهر كاملة، قبل أن يجري السماح لهم بالخروج لدقائق معدودة في بعض السجون، أو لساعة في بعض السجون الأخرى كحدٍّ أقصى. كما عمدت إدارات السجون، وفقًا لقرارات مركزية عليا، إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات الأخرى، كقطع الماء الساخن والكهرباء، ومصادرة الثياب والأغطية ومواد التنظيف، والتجويع، وإيقاف عمل الغسالات، والاكتظاظ في الغُرَف، والمداهمات والقمع٠٠٠
كلُّ ذلك سمح، مع الوقت، بانتشار مجموعة من الأمراض العضوية، أهمها الأمراض الجلدية، كالـ«إسكابيوس»،والدمامل والحساسية وأمراض أخرى . والاسكابيوس المعروف بالجَرَب، ومن أبرز أعراضه الحِكّة الشديدة، خاصة في أوقات الليل، وظهور حبوب أو طفح جلدي. وأكثر الأماكن التي يصيبها الإسكابيوس: بين الأصابع، والرُّسغَيْن، والإبطين، والبطن، والأعضاء التناسلية. وهو مرضٌ مُعْدٍ وينتشر بسرعة.
أما الدمامل، فهي من الأمراض التي انتشرت في السجون، وإن بصورة أقل من الإسكابيوس، بحيث تنتشر في أماكن محددة من الجسد، كالأكفّ، والفخذين، والأعضاء التناسلية، وفي بعض الحالات تغطي الدمامل كافة أنحاء الجسد.
وقد استشهد أكثر من أسير بسبب هذه الأمراض الجلدية، من بينهم: الشهيد محمد منير موسى من بيت لحم، الذي استشهد في أكتوبر/تشرين الأول 2024؛ والشهيد معتز أبو زنيد، الذي استشهد عام 2020؛ والشهيد أحمد حاتم خضيرات من الظاهرية، الذي استشهد في أيار/مايو 2024؛ والشهيد وليد أحمد، الذي استشهد في آذار/مارس 2025. وهناك حالات استشهدت بسبب هذه الأمراض، لكنها غير معلومة، وخاصة الشهداء الأسرى من قطاع غزة.
فبعد نحو شهرين من الإجراءات الصارمة التي اتخذتها إدارات السجون، أخذت أعراض هذه الأمراض بالظهور، وانتشرت بسرعة، ولم تقدّم الإدارة أيّ علاجات للأسرى المصابين إلا بعد مرور أكثر من عام، وكانت عبارة عن مراهم لا تُغني ولا تُسمن من جوع، ولم تساعد في العلاج. ولا تكاد غرفة من غرف السجون تخلو من إصابات بهذه الأمراض، وبعض الغرف كانت مصابة بالكامل، وكان يجري حجرها.
غير أن الإدارة كانت تعمد إلى خلط الغرف المصابة بالغرف غير المصابة أثناء الفحص الأمني، بحيث يجتمع في الغرفة الواحدة، لعدة ساعات، ما لا يقل عن 25 أسيرًا، مما ساهم في انتشار هذه الأمراض ونقل العدوى.
ولم تُعْنَ إدارات السجون بتقديم مثل هذه العلاجات للأسرى خوفًا على سلامتهم، أو بسبب التقارير الإعلامية والضغوط الدولية، وإنما بسبب انتقال العدوى إلى بعض السجانين، الذين بدورهم نقلوها إلى عائلاتهم أو أصدقائهم. وبالرغم من إذعان الإدارة لتقديم بعض العلاجات، فإن هذه العلاجات لم تجدِ في الحدّ من تفاقم هذه الأمراض.
كما أن الضباط والسجانين كانوا يتلذذون بعذاب الأسرى المصابين والسخرية منهم، وكان بعضهم يصرّح قائلًا: «نريدكم أن تموتوا بالجوع والأمراض والبرد».
لقد شهدتُ بأمّ العين المئات من الحالات التي انتشرت هذه الأمراض في أجساد أصحابها، وكنت أرى كيف يمضي الأسير المصاب في حَكِّ جسده. كنا نستيقظ في الليل على صوت الحَكِّ، ونحن لا نستطيع أن نقدّم لهم شيئًا.
أما الأخطر من الإسكابيوس فهو مرض الدمامل، وخاصة عندما ينتشر في كافة أنحاء الجسد، وخصوصًا في الكفّين، بحيث لا يستطيع الأسير المصاب استخدام يديه أثناء الأكل أو قضاء حاجاته المختلفة. وهو ما كان يولّد معاناة هائلة، تثقل الضمير أسًى وتعاطفًا.
كان لديّ في الغرفة الأسير محمد غوادرة «أبو شادي»، الذي تحرّر ابنه شادي في الصفقة، من دون أن يتسنّى له رؤيته أو وداعه. وكان أبو شادي، البالغ من العمر 63 عامًا، مصابًا بالسكري، حيث أُصيب بالإسكابيوس أيضًا. وكان يمضي الليل وهو يحكّ جسده، وبعد أن تفاقمت حالته، نقلوه إلى غرفة أخرى، كانت جميع الحالات فيها مصابة بالإسكابيوس.
كنت أراه يوميًا وهو يذبل. ومع الأسف، استشهد بتاريخ 2/11/2025، بعد تحرّرنا بأسبوعين، علمًا بأن الشهيد كان محكومًا بالسجن الإداري، وكان بالإمكان الإفراج عنه لمتابعة علاجه.
إن انتشار الأمراض الجلدية بين الأسرى، والملف الصحي عمومًا، يحتاجان إلى متابعة قانونية وإعلامية دقيقة؛ لأننا نعتقد أن سلطة مصلحة السجون ليست بريئة من انتشار هذه الأمراض. فهنالك شكوك حول نشر الفيروسات بصورة متعمّدة، فضلًا عن الإهمال الطبي للأسرى المرضى، وكذلك الأدوية التي دأبت على تجريبها على الأسرى.
فهذه الإجراءات اللاإنسانية ترقى إلى مستوى جرائم الحرب، وهو ما يستدعي متابعتها من كافة النواحي، لفضح الاحتلال ومحاكمته في كافة المحافل الحقوقية والدولية.
