​ السقوط الميداني للردع الغربي وصعود الدبلوماسية المستقلة
​في خضم المتغيرات الكبرى التي تعصف بالمنطقة، وسقوط هيبة الردع الأمريكي والصهيوني تحت ضربات قوى محور المقاومة، تتأكد حقيقة أن أمن المنطقة لا يُستجدى من القواعد الأجنبية، بل يُنتزع بالوعي والقدرة الذاتية. وفي هذا السياق، تأتي زيارة وزير خارجية سلطنة عمان إلى طهران، وما تمخض عنها من بيان مشترك مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لتعكس تحولاً نوعياً في مقاربة إدارة الممرات المائية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز.
​هذا التقارب الإيراني-العماني لا يُقرأ بمعزل عن موازنات القوة الجديدة التي فرضتها معارك “طوفان الأقصى” وما بعدها، والتي أثبتت عجز الأساطيل الغربية عن حماية مصالحها ناهيك عن حماية حلفائها. إنه يعبر عن إرادة واعية لتحرير الشريان الأبرز للطاقة العالمية من الهيمنة الأمريكية، وقطع الطريق أمام أي ذريعة للوجود العسكري الأجنبي في الخليج العربي.
​ الأبعاد الاستراتيجية لموقف طهران ومسقط في معادلة الردع
​ينطلق هذا التحرك المشترك من رؤية متكاملة ترفض الوصاية الغربية وتكرس سيادة دول الإقليم:
​إيران.. صخرة الصمود وقلعة الردع: تثبت الجمهورية الإسلامية الإيرانية مجدداً أنها اللاعب الأساسي والضامن الحقيقي لاستقرار المنطقة، عبر إدارتها الحكيمة للسياسة الخارجية التي تزاوج بين القوة العسكرية الصلبة والدبلوماسية المرنة، لتفويت الفرصة على محاولات عسكرة المضيق.
​عمان.. الدبلوماسية الملتزمة بالسيادة: تلعب مسقط دوراً محورياً في تفكيك الاحتقان المفتعل، متجاوزة الإملاءات الغربية، ومؤكدة أن أمن الخليج يجب أن يديره أهله بعيداً عن التدخلات الخارجية التي تستنزف ثروات المنطقة وشعوبها.
​إسقاط احتكار النفوذ الغربي: يوجه البيان رسالة قاطعة مفادها أن مضيق هرمز ليس حديقة خلفية لواشنطن، وأن أمن الملاحة فيه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بإنهاء الحصار الظالم ووقف العدوان على شعوب المنطقة، لا بتوفير مظلات حماية وهمية تخدم الأجندات الاستعمارية.
​ التفكيك العملياتي لخارطة الطريق الملاحية.. نحو سيادة بحرية خالية من الأجانب
​يقدم البيان المشترك مساراً عملياً متكاملاً يتجاوز الخطابات الإنشائية إلى إجراءات تقنية صارمة تكرس السيادة الذاتية:
​1. المرحلة الإسعافية الطارئة (تطهير المياه وتأمين المسار)
​الممر الملاحي المشترك المؤقت: كسر حالة الشلل التي تحاول القوى الاستعمارية فرضها، عبر مسارات آمنة تضمن تدفق الإمدادات وتثبت فشل الحصار البحري.
​إزالة المخلفات الحربية والألغام: إن إرادة طهران ومسقط في تنفيذ مشروع مشترك لتطهير المضيق تعكس قدرة إقليمية ذاتية على معالجة التحديات الأمنية بحراً، دون الحاجة لشركات أمنية غربية أو تحالفات مشبوهة.
​2. المرحلة الاستراتيجية (الترتيبات والمؤسسية الدائمة)
​الممر الدائم وتبادل الخبرات: الانتقال إلى هندسة أمنية مستدامة تعتمد على تبادل الخدمات البحرية والأمنية بين دول الجوار وحدها.
​طرد الذرائع الأجنبية: تجريد القوى الغربية من أي مسوغ قانوني أو تقني للبقاء في مياه الخليج تحت يطارية “حماية الملاحة الدولية”.
​ السد المانع أمام التطبيع والهيمنة.. أمن الخليج لأهله
​يمثل هذا الطرح المشترك سقوطاً مدوياً لمشاريع التورط في أحلاف أمنية هشة مع الكيان الصهيوني أو رعاية أمريكية مباشرة. وقد تجلى ذلك في ثوابت واضحة:
​رفض سياسات المحاور الاستعمارية: التأكيد على أن أمن الخليج لا يمكن أن يستقيم بالاستقواء بالخارج، بل بالاحترام المتبادل والتعاون الإقليمي الشامل.
​الالتزام بالقانون الدولي وحقوق السيادة: حصر الحقوق الملاحية والأمنية في إطار القوانين المرعية للدول الساحلية حصراً، وليس وفقاً لمزاج الأساطيل الأمريكية العابرة للقارات.
​ملاحظة استراتيجية: إن أي ترتيبات أمنية لا تنطلق من قاعدة طرد النفوذ الأجنبي ستظل منقوصة؛ ولذلك يمثل هذا التقارب الإيراني-العماني النواة الصلبة لمشروع الأمن الجماعي الإقليمي الحقيقي.

​ تفكيك “عقدة أمن الخليج”.. تهافت المظلات الغربية وبزوغ خيار المقاومة

​لقد أثبت مسار الأحداث أن العواصم الخليجية التي رهنت أمنها للولايات المتحدة وجدت نفسها أمام حقيقة مرة: حماية أمريكا مقتصرة على ابتزاز ثرواتهم لا على حمايتهم فعلياً. ومن هنا تبرز أهمية تفكيك هذه العقدة:

​1. سقوط وهم المظلة الأمنية الغربية

​أظهرت المواجهات الأخيرة أن القواعد العسكرية والاتفاقيات الدفاعية مع واشنطن لم تكن سوى أدوات لاستنزاف المنطقة ونهب خيراتها، وترسيخ حالة التوتر الدائم لتسويق السلاح الغربي.

​2. البراغماتية الاقتصادية وحتمية الاستقلال

​تدرك دول الإقليم أن استمرار الرهان على السياسات الأمريكية المدمرة يعرضها لانهيارات اقتصادية كبرى، مما يجعل الانخراط في تفاهمات الجوار التي تقودها طهران ومسقط ضرورة وجودية لا غنى عنها للخروج من عباءة التبعية.

​ حتمية “الازدواجية البراغماتية” وسقوط الهيمنة المطلقة

​السيناريو الذي تفرضه المعادلات اليوم هو تراجع النفوذ الغربي المطلق لصالح واقع جديد تفرضه لغة القوة والمصالح العليا لدول الإقليم.

​لن تستطيع العواصم الخليجية الاستمرار في تجاهل حقيقة أن طهران هي الجار الأقوى والأحرص على استقرار الجغرافيا التي تجمعهم. وعليه، فإن التحرك نحو غطاء فني واقتصادي إقليمي يوازن بين التخلص من ضغوط الحلفاء الغربيين وضرورة خفض التصعيد هو المسار الحتمي الذي تفتحه هذه المبادرة.

​ مضيق هرمز بوابة التحرر الاستراتيجي

​إن البيان المشترك الإيراني-العماني ليس مجرد وثيقة دبلوماسية، بل هو شهادة وفاة لمشروع الهيمنة الأمريكية على الممرات المائية الحيوية في المنطقة. إنه يثبت أن محور المقاومة، سياسياً وعسكرياً واستراتيجياً، يفرض قواعد لعبة جديدة عنوانها: “أمن المنطقة يُصنع بقرار أبنائها، ويسقط كل طارئ مستعمر”.

​وتبقى الرسالة موجهة لكل متردد في الإقليم: إن الرهان على الأجندات الغربية سقط في ميدان الشرف، وإن باب الشراكة الإقليمية المستدامة الذي تفتحه مسقط وطهران هو الفرصة التاريخية الوحيدة للخروج من نفق التبعية نحو آفاق السيادة الكاملة.

د. نبيلة عفيف غصن