​في قلب الأرض المحتلة، حيث تتقاطع خيوط التاريخ الإنساني والديني مع جرح النكبة المستمر، تتعرض قرية “الطيبة” الفلسطينية -آخر القرى ذات الغالبية والنسيج المسيحي الخالص في العالم- لفصول جديدة من الهجمات الوحشية والممنهجة. إن ما يجري هناك ليس مجرد اعتداء عابر أو شغب مستوطنين طارئ، بل هو حلقة خطيرة وحاسمة في مسلسل التطهير العرقي واقتلاع الجذور الذي تمارسه دولة الاحتلال بتغطية كاملة ومباشرة من مؤسساتها وجيشها.
​مهد التاريخ المسيحي في مهب الإرهاب الاستيطاني
​تحمل قرية الطيبة رمزية دينية وتاريخية فريدة من نوعها على مستوى العالم بأسره، فهي ليست مجرد تجمع سكاني اعتيادي، بل هي متحف حي للذاكرة الإنسانية:
​مرقد التاريخ المقدس: تشير الروايات التاريخية والدينية إلى أن السيد المسيح لجأ إليها، وهي المكان الذي قام فيه لعازر من بين الأموات، وحيث جرى التحضير لآلام الصلب والقيامة.
​إرث معماري وثقافي عريق: تضم القرية “كنيسة القديس جورج” التي تعود جذورها إلى القرن الخامس الميلادي، لتكون شاهداً حياً على استمرارية الوجود المسيحي المشرقي الأصيل منذ فجر التاريخ.
​العمق الحضاري: تمثل الطيبة امتداداً لقرية “عفرين” أو “إفرايم” التاريخية المذكورة في العهد الجديد، مما يجعل استهدافها جريمة بشعة بحق التراث الإنساني العالمي بأسره، لا الفلسطيني وحده.
​تفكيك الأسطورة: لا مسلمين هناك، فالاستهداف قومي ووطني
​أحد أهم الدروس الساطعة التي يكشفها هذا العدوان السافر على الطيبة هو السقوط المدوي للبروباغندا الإسرائيلية التي تحاول دائماً تصوير الصراع على أنه طائفي أو ديني دائر بين مسلمين ويهود:
​هوية القرية المطلقة: لا يعيش في قرية الطيبة مسلم واحد؛ فكافة سكانها من المسيحيين الفلسطينيين الأصليين. ورغم ذلك، طالتهم نيران الاستيطان والتخريب والتهجير.
​سقوط القناع: يدحض هذا الواقع بشكل قاطع الادعاءات الكاذبة التي تروجها الدوائر الصهيونية حول “حماية الأقليات المسيحية في الشرق”. فالاحتلال لا يفرق بين فلسطيني مسيحي أو مسلم؛ فالكل مستهدف طالما أنه ينتمي لهذه الأرض.
​الهدف الاستيطاني المحض: المخطط الاستعماري يسعى لطمس الهوية العربية الفلسطينية للمكان برمته، واستبدالها برواية تلمودية مزيفة، عبر طرد الأهالي الأصليين وإعادة بناء القرى والبلدات لتصبح مستوطنات مغلقة.
​إرهاب الدولة المنظم: حماية تامة للمتطرفين
​إن اقتحام الطيبة وإحراق أجزاء منها لم يكن ليحدث لولا الدعم المطلق الذي يتلقاه المستوطنون المتطرفون من هرم السلطة في تل أبيب:
​الغطاء السياسي والعسكري: يتحرك المستوطنون كذراع خفي وعلني لدولة الاحتلال، حيث يوفر الجيش الإسرائيلي الحماية الكاملة لعمليات التخريب والترهيب والإحراق الميداني.
​استراتيجية الترهيب والتهجير: تهدف هذه الهجمات الممنهجة إلى كسر إرادة الصمود لدى المسيحيين الفلسطينيين، ودفعهم نحو الهجرة القسرية لتفريغ الأرض من أصحابها الحقيقيين.
​التواطؤ الرسمي: إن صمت الأجهزة الأمنية والقضائية الإسرائيلية عن محاسبة المجرمين يعكس بوضوح أن هذه الاعتداءات هي جزء من سياسة رسمية تتبناها الدولة العبرية لإكمال السيطرة الجغرافية والديموغرافية.
​التعتيم الإعلامي العالمي وصمت الضمير الإنساني
​في الوقت الذي تحترق فيه مهدات التاريخ ومقدساته، تواصل وسائل الإعلام الكبرى في الغرب والعالم ممارسة أشد أنواع التعتيم الممنهج والتواطؤ المخزي:
​طمس الحقائق: تتجاهل الفضائيات العالمية الكبرى نقل صور الدمار والنار التي تلتهم الطيبة، خوفاً من إحراج الرواية الإسرائيلية المزيفة وتعرية ممارساتها.
​ازدواجية المعايير: تُقيم الدنيا ولا تقعد لو حدثت هجمات مشابهة في أي مكان آخر من العالم، بينما يُمارس الصمت المطلق حين يكون الجاني هو الاحتلال الإسرائيلي والضحية هو الإنسان الفلسطيني.
​مسؤولية المجتمع الدولي: إن هذا التواطؤ الإعلامي والسياسي يمنح الاحتلال ضوءاً أخضر ومستداماً لمواصلة جرائمه ضد الحجر والشجر والبشر في فلسطين.
​صمود أبدي بوجه المحو
​إن قرية الطيبة بما تملكه من إرث تاريخي وروحاني عميق، لن تكسرها نيران المستوطنين ولا همجية الاحتلال. فبقاء أهلها وثباتهم على أرضهم هو الصفعة الأكبر لكل مشاريع الاقتلاع والتهويد. إن الدفاع عن الطيبة هو دفاع عن آخر معاقل الهوية التاريخية المشرقية، وهو اختبار حقيقي للضمير الإنساني العالمي الذي بات مطالباً بالاستيقاظ من عميق سباته قبل أن تبتلع آلة الاستيطان ما تبقى من عراقة هذه الأرض.
​ملاحظة تاريخية: إن تاريخ الطيبة يمتد لأكثر من ألفي عام من الحضور المسيحي المستمر، مما يجعل أي محاولة لمسح هويتها جريمة حرب ثقافية وتاريخية مكتملة الأركان.

​هل ترغب في تسليط الضوء أكثر على الجوانب القانونية الدولية التي تجرم تهجير السكان الأصليين وتدمير المواقع الأثرية؟

د. نبيلة عفيف غصن