بين تصريح ناري من قلب الجنوب السوري، وخرائط نفوذ تُعاد رسمها على أنقاض دولة، يتجلى المشهد السوري الجديد بكل قسوته: لم تكن المعركة لتحرير الشعب، بل لكسر الحصن الذي صمد عقوداً، ليصبح الوطن مرتعاً مفتوحاً للأتراك والصهاينة والأمريكيين، والشعب وحيداً في مواجهة مصيره.

في مشهد دراماتيكي يعكس التحول الجذري في طبيعة الصراع بسوريا، قطع رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي إيال زامير،اليوم الأربعاء، الشريط الحدودي متوجهاً إلى عمق الأراضي السورية، ليطلق تهديداً مباشراً لأنقرة، قال فيه: “لن نسمح لقوات معادية بالتمركز على حدودنا، وسنعرف كيف نستخدم قوتنا بصورة دقيقة، في المكان وفي الوقت المناسب”.

جاءت التصريحات خلال جولة داخل جنوب سوريا، حيث أنشأ الكيان الصهيوني تسع قواعد عسكرية ثابتة، تمتد من جبل الشيخ إلى حوض اليرموك، فيما تجاوزت التوغلات 800 نقطة داخل العمق السوري، وصلت إحداها إلى 20 كيلومتراً فقط من دمشق، وسط تجريف للأراضي وهدم منازل وتهجير قسري للسكان المحليين.لكن هذا المشهد لم يعد مجرد حلقة في مسلسل العدوان الصهيوني التقليدي، بل أصبح جزءاً من صورة أكبر: سوريا التي جرى تسويق سقوط نظامها تحت شعارات الحرية، تحولت اليوم إلى ساحة مستباحة للتنافس الإقليمي.

الحلم الذي تبخر.. والغنائم التي اقتسمت

طوال سنوات الحرب، رددت واشنطن وعواصم الغرب وأنقرة شعارات “الحرية والكرامة” للشعب السوري. لكن لحظة إسقاط الدولة السورية، لم يعد أحد يتحدث عن انتخابات حرة، أو دستور جديد، أو محاسبة المجرمين، أو حتى إعادة الإعمار. فجأة، تحول الخطاب إلى “أمن إسرائيل” و”مخاوف تركيا” و”الحفاظ على المصالح الأمريكية”. وكأن الشعب السوري كان مجرد ورقة في مفاوضات، استُخدمت ثم أُلقيت جانباً.

المشهد اليوم يرسم خريطة اقتسام واضحة:

الكيان الصهيوني الجنوب والغرب (القنيطرة، درعا، جبل الشيخ) قواعد عسكرية، غارات جوية، تهجير

تركيا الشمال (حلب، إدلب، الحدود التركية) قواعد عسكرية، دوريات، نفوذ سياسي

أمريكا الشرق (دير الزور، الحسكة) قواعد نفطية، دعم “قسد”

سوريا لم تعد دولة ذات سيادة، بل كعكة يتقاسمها الأتراك والصهاينة والأمريكيون، كل منهم يمسك بقطعة، ويتحدث باسم “الأمن القومي” أو “مكافحة الإرهاب”، بينما يُترك السوريون في مهب الريح.

تركيا في مرمى النيران الصهيونية

ما يثير القلق التركي بشكل خاص هو أن أنقرة، التي كانت من أبرز الداعمين للمعارضة السورية المأجورة، أصبحت اليوم في مرمى الاستهداف المباشر للكيان الصهيوني. فتصريحات زامير لم تكن مجرد رد فعل عابر، بل تجسيد لعقيدة أمنية جديدة تتبناها تل أبيب، تقوم على استراتيجية “المنع” وليس الردع فقط، بهدف وأد أي تهديد عسكري محتمل قبل تبلوره، وخصوصاً من قبل دولة قوية ومنافسة إقليمياً كتركيا.وقد تجلى ذلك عملياً في نقل الغارات الصهيونية من وسط سوريا إلى شمالها، حيث استهدف مطار أبو الظهور العسكري القريب من الحدود التركية، في رسالة واضحة بأن أنقرة لم تعد بمنأى عن الحسابات الأمنية للكيان.على الجانب الآخر، تحاول تركيا تعزيز حضورها العسكري عبر التعاون مع عصابات الجولاني بل والمشاركة في مناورات عسكرية مشتركة على الأراضي السورية، في محاولة لتحويل نفوذها السياسي إلى وجود عسكري دائم.

سوريا بين مطرقة الصهاينة وسندان الأتراك

في الجنوب، يواجه السكان المحليون نزيفاً يومياً في أراضيهم وممتلكاتهم، مع إقامة قواعد عسكرية ومصادرة مواردهم المائية والزراعية. وفي الشمال، تتحول البلاد إلى ساحة لاختبار قواعد الاشتباك بين جيشين إقليميين، مما يعرقل مساعي الحكومة السورية الجديدة لإعادة بناء الدولة وجذب الاستثمارات.لكن السؤال الأكثر إيلاماً: أين دور “المجتمع الدولي” الذي هتف للحرية؟ الإجابة تكمن في الصمت المطبق على انتهاكات الكيان الصهيوني، والتحذيرات المخيفة التي تطلقها واشنطن وأوروبا بصوت خافت، وكأن سوريا الجديدة أصبحت خارج دائرة اهتمامهم، بعد أن أنجزوا مهمتهم في “كسر الحصن”

ما جرى في سوريا ليس سابقة في تاريخ المنطقة. ففي ليبيا، رفعت القوى الغربية وشركاؤها الإقليميون شعارات “الحرية والديمقراطية”، لكن النتيجة كانت تفكيك الدولة، وإغراق البلاد في فوضى عارمة، وتحويلها إلى سوق مفتوح للنفوذ الإقليمي.

في سوريا، تكرر السيناريو نفسه بوتيرة أسرع: لم تسرع القوى المنتصرة إلى بناء دولة القانون والمؤسسات، بل سارعت إلى اقتسام الغنائم؛ ولم تطرح أي خطة واضحة لإعادة بناء الجيش أو توحيد مؤسسات الدولة؛ وانشغلت تركيا بملف اللاجئين والاكراد والجغرافيا المستباحة، والغرب بانشغال بمنع أي تهديد للكيان الصهيوني.

يبقى السؤال الأكبر الذي تطرحه هذه التطورات على السوريين والعرب جميعاً: هل يتعلم السوريون من هذه التجربة؟ أم أنهم سيبقون رهينة صراع إقليمي لا ينتهي، بين من يريد استخدام أرضهم لمطاردة أعدائه (تركيا)، ومن يريد جعلها منطقة عازلة لحماية كيانه (الصهاينة)، ومن يريد نهب ثرواتها (أمريكا)، دون أن يلتفت أحد إلى حلمهم البسيط بدولة تحميهم وتوفر لهم حياة كريمة؟

حكاية الحرية في سوريا انتهت. وما تبقى هو سوريا المستباحة، التي يدفع أهلها ثمن كسر حصنها، بينما يتبادل المنتصرون التهاني على الغنائم، ويدور الصراع التركي الصهيوني على أشده، بينما الشعب السوري وحيداً في مواجهة مصيره المجهول.