يبرز الإخفاق الأمريكي جليًا في عدوانه المتواصل على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والذي بدأ في 28 فبراير الماضي، وكان الهدف منه إسقاط النظام، واستبداله بنظام آخر يكون مواليًا أو مخلصًا لسياسة واشنطن في المنطقة.
وفي قراءة لنتائج الحرب، رأت مجلة “فورين أفيرز” أن النظام الإقليمي الذي ساد في ما يسمى بمنطقة “الشرق الأوسط” منذ عام 1991م كان أحد ضحايا الحرب الأمريكية–الصهيونية على إيران، في إشارة إلى أن تداعيات المواجهة تجاوزت حدود استهداف طهران لتطال الدور الأمريكي والترتيبات التي قامت عليها المنطقة لعقود.
واعتبرت المجلة أن فشل الولايات المتحدة وكيان العدو الإسرائيلي في إزاحة النظام في طهران كشف محدودية عقود من العقوبات والعنف في تحقيق الهدف السياسي، كما أن عجز واشنطن عن حماية حلفائها الخليجيين أضعف الأساس الذي قامت عليه شبكة القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو نتيجة الحرب مجرد عدم نجاح في إسقاط النظام الإيراني، وإنما إخفاقًا أوسع في تحويل القوة العسكرية الأمريكية إلى واقع سياسي جديد يخدم أهداف واشنطن في المنطقة، ويعود ذلك إلى تكامل عوامل القوة والصمود الإيراني، فقد حاربت إيران بقوة، وتفاوضت بقوة، وانتصرت في الحرب والدبلوماسية، كما يقول وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي يؤكد أن الشعب الإيراني قاوم أكبر جيش في العالم، والمدعوم من معظم الدول الغربية وبعض الدول الأخرى في المنطقة، لافتًا إلى أن الذين سعوا إلى فرض الاستسلام غير المشروط على إيران توسلوا إلى التفاوض بعد وقت قصير من بدء الحرب.
ويتكامل الخطاب السياسي لعراقجي مع ما يطرحه نائب القائد العام لحرس الثورة في إيران اللواء مصطفى إيزدي، الذي ركز على الجانب العسكري من نتائج المواجهة، مؤكدًا أن العدو فشل في تدمير القدرات الدفاعية الإيرانية وصناعتها النووية، رغم أنه، بحسب قوله، لم يدخر أي جهد لتدمير إيران وإسقاطها وتفكيكها والسيطرة على مواردها النفطية ومضيق هرمز.
وأكد إيزدي أن إيران اجتازت جميع المراحل الصعبة بثبات، وأنها حققت قوة ردع استثنائية بفضل سيطرتها الكاملة على مضيق هرمز، إلى جانب القفزة النوعية في قدراتها الصاروخية والدفاعية.
وتقدم هذه المعطيات، وفق الرواية الإيرانية، صورة لمواجهة لم تنتهِ بتجريد طهران من عناصر قوتها، بقدر ما أبقت في يدها أوراقًا عسكرية واستراتيجية يمكن استخدامها في مرحلة ما بعد الحرب.
وفي ظل تعثر المسار السياسي، لا يبدو أن واشنطن وكيان العدو الإسرائيلي قد توصلا إلى صيغة تفرض هزيمة حاسمة على إيران، فطهران تلوّح، مع مرور الوقت، بتوسيع خياراتها والانتقال من “الدفاع” إلى “الهجوم بالكامل”، بسبب تعثر الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق دائم ينهي الحرب مع الولايات المتحدة.
ونقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول إيراني كبير، الاثنين، قوله إن إيران “ستكون مستعدة لاتخاذ قرارات والمضي قدمًا في اتخاذ إجراءات بشأن قرارات صعبة”، مضيفًا أن طهران ستنفذ هجومًا عسكريًا “في الوقت المناسب وبدقة” لكسر الحصار البحري الأمريكي المفروض على الجمهورية الإسلامية إذا فشلت الجهود الدبلوماسية.
وفي قراءة من داخل المؤسسة الأمنية الصهيونية، رأى الباحث في “معهد دراسات الأمن القومي” داني سيترينوفيتش أن إيران لا تريد حربًا بلا نهاية، لكنها في الوقت نفسه ترفض الخضوع للمطالب الأمريكية، ومصممة بأن تحافظ على ما تعتبره إنجازاتها في الحرب، مرجحًا أنها ستختار التصعيد إذا اضطرت إلى ذلك.
وحذر سيترينوفيتش من أن استمرار الضغط الاقتصادي لن يكون بلا كلفة على واشنطن، إذ قد تدفع الضغوط المتزايدة طهران إلى رفع الثمن الذي يتحمله خصومها، ولا سيما عبر التأثير في تدفق الطاقة والاستقرار الإقليمي.
ووفق هذه القراءة، فإن زيادة الضغط على إيران لا تضمن حسم المواجهة، وقد تقود بدلًا من ذلك إلى تصعيد يجعل كلفة الحرب والضغط أكبر على الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي.
وبذلك، فإن عدم تمكن الولايات المتحدة من تحقيق الحسم الذي أرادته في إيران لا يمثل إخفاقًا عسكريًا عابرًا، بقدر ما يضعف قدرتها على فرض واقع سياسي جديد بالقوة في المنطقة، فإيران، رغم ما تكبدته من خسائر، خرجت وهي تحتفظ بعناصر قوتها وأوراق ضغطها، وهي تلوّح بتوسيع المواجهة إذا فشلت الدبلوماسية، بينما تجد واشنطن نفسها أمام خصم لم تستطع إخضاعه، وممرات استراتيجية يمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط على حلفائها واقتصادها.
وتتجاوز تداعيات هذه النتيجة حدود إيران، لتصل إلى حلفاء واشنطن في المنطقة الذين سيعيدون حساباتهم بشأن جدوى الاعتماد الكامل على القوة الأمريكية، خصوصًا بعدما أظهرت الحرب أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على حسم الصراعات وفرض نتائجها السياسية.
ومن هنا، قد تكون إحدى أهم نتائج الحرب أن مرحلة جديدة بدأت تتشكل في المنطقة، عنوانها تراجع قدرة واشنطن على احتكار قواعد اللعبة، مقابل اتساع هامش الحركة أمام إيران وخصوم الولايات المتحدة، ودخول حلفائها في مرحلة أكثر تعقيدًا من إعادة تقييم خياراتهم الأمنية والسياسية.
المسيرة نت
