تجاوز حادث خروج أكثر من 100 جندي وقائد من كتيبة “تسابار” التابعة لـ “لواء جفعاتي” من قاعدة “سديه تيمان” حدود الأخبار العاجلة أو الحوادث الانضباطية العابرة، ليدخل مباشرة في خانة “التحولات الهيكلية” لمسار المواجهة. إن إقدام هذا العدد الضخم من نخبة المشاة على ترك أسلحتهم والمغادرة الجماعية المنسقة نحو منازلهم، وفق ما كشفت عنه صحيفة “إسرائيل هيوم”، يمثل لحظة تكثيف استراتيجية تعكس وصول الردع الداخلي للمؤسسة العسكرية الصهيونية إلى نقطة الصفر، وتعلن عن بداية مرحلة التشظي في العصب الأساسي للجيش تحت وطأة الاستنزاف الميداني الممتد.
تفكك عقيدة “الحسم السريع” تحت سندان الاستنزاف
يُبنى جيش الاحتلال تاريخياً على عقيدة القتال القصير، والحسم السريع، ونقل المعركة إلى أرض الخصم. لكن فرض استراتيجية الاستنزاف الطويل والصمود الميداني المحكم أدى إلى تجريف هذه العقيدة من محتواها، وهو ما يفسر الانفجار الداخلي في لواء يُعدّ رأس الحربة المقاتلة:
إفراغ التفوق التكنولوجي من معناه: وجد مقاتلو كتيبة “تسابار” أنفسهم في بيئة عملياتية معقدة، لا ينفع فيها التفوق الجوي أو التدريب العالي أمام التكتيكات الكمينية والإنهاك العصبي المستمر، ما أدى إلى تحول الفاعلية القتالية إلى حالة من الانكفاء والذعر.
فقدان الغاية القتالية: عندما يمتد القتال دون تقديم أفق سياسي أو استراتيجي يضمن للجنود تحقيق “نصر” ملموس، تتحول الخدمة الميدانية في نظرهم إلى مجرد استنزاف مجاني، مما يعجل بانهيار المنظومة الأخلاقية والمعنوية للكتيبة.
سوسيولوجيا العصيان الجماعي: التخلي عن السلاح كفعل براءة
تكتسب الحادثة عمقها الاستثنائي من جزئيتين رئيسيتين وردتا في التقرير: العدد الذي تجاوز المائة جندي وقائد، وكون العملية “منسقة إلى حد كبير”، بالإضافة إلى ترك الأسلحة وراءهم:
من تمرد الفرد إلى العصيان الكتلي (Coordinated Mutiny): تنسيق الحركة بين أكثر من 100 مقاتل وضابط يعني أننا لسنا أمام حالات هروب فردية ناجمة عن حالة هلع عابرة، بل أمام “قرار جماعي واعي” اتُّخذ داخل الحجرات المغلقة للكتيبة، يتحدى هرمية القيادة ويسقط شرعيتها تماماً.
التجرد من السلاح (Demilitarization of the Self): إن تعمد ترك الأسلحة داخل القاعدة قبل الفرار يحمل دلالة رمزية وعسكرية قاطعة؛ فالسلاح الذي كان يمثل رمزا للقوة والهوية العسكرية تحول في وجدان الجندي إلى “تهمة” وعبء وثيق الصلة بالجحيم الميداني، فكان تجريد الذات منه شرطاً أولياً لاستعادة الشعور بالأمان البدني والنفسي.
سقوط الردع الداخلي: “السجن لا يهم” كمؤشر لـ “الاحتراق النفسي”
تتجسد ذروة هذا الانهيار في التصريح المقتضب والمتفجر لأحد الجنود المشاركين في التمرد:
”الغياب بدون إذن، أو الذهاب إلى السجن، لا شيء من ذلك يهم.”
يعكس هذا التصريح حالة تشخيصية حادة لما يُعرف في العلوم العسكرية بـ “الاحتراق النفسي والعملياتي الشامل” (Complete Operational Burnout):
.1 انهيار منظومة العقاب: تتكئ الجيوش النظامية في فرض الطاعة على خشية الجندي من المحاكمة والسجن. عندما يستوي الخوف من السجن مع البقاء في الخدمة—بل يصبح السجن خياراً مكرماً ومفضلاً—فهذا يعني أن بيئة المواجهة أضحت من الشدة بحيث يتضاءل أمامها أي عقاب قانوني أو جنائي.
.2 تبدد الرادع المعنوي: جملة “لا شيء من ذلك يهم” تعبر عن وصول المقاتل إلى مرحلة الـ “لا مبالاة” الكاملة بالمنظومة وقيمها؛ حيث تسقط المحرمات العسكرية، وتتلاشى أهمية السجل العسكري أو السمعة الاجتماعية في مقابل خروج الجسد حياً من أتون الاستنزاف.
رمزية “سديه تيمان”: الجحيم الارتدادي
تكتمل صورة التصدع باقتران هذا التمرد بقاعدة “سديه تيمان”. فهذه القاعدة، التي أريد لها أن تكون مركزاً للسيطرة والقتور والتعذيب، أظهرت أن العنف المفرط والممارسات القمعية لا تمنح الجيش مناعة داخلية، بل تصدر إلى صفوفه أزمات نفسية وأخلاقية ترتد إلى أحشائه. لقد تحول الموقع الذي أُريد له أن يكون مظهراً للقوة الغاشمة إلى بؤرة للانفجار الداخلي وانكشاف الهشاشة التنظيمية للعدو.
التداعيات الاستراتيجية: ظاهرة عدوى التفكك
إن هذا التمرد المنسق في كتيبة نخبوية يؤسس لنموذج عملي خطير داخل مؤسسة الاحتلال العسكرية:
كسر حاجز الخوف لدى بقية التشكيلات: إن مرور حدث بهذه الضخامة سينقل “عدوى العصيان” إلى ألوية أخرى تعاني من ذات مستويات الإرهاق النفسي والميداني.
اتساع الشرخ بين القواعد والقيادة: اتساق موقف المقاتلين مع ضباطهم الميدانيين ضد قائد الكتيبة أو قرارات القيادة العليا يوضح أن الثقة بين مستويات القرار ومستويات التنفيذ قد انقطعت تماماً.
إن تمرد كتيبة “تسابار” في سديه تيمان هو الشاهد الأبرز على أن المعارك لا تُحسم بكثافة النيران وحده، بل بالقدرة على كسر إرادة العدو ونخر بنيته من الداخل. عندما يصل مقاتلو النخبة إلى يقين بأن خلع الزي العسكري وإلقاء السلاح والتوجه نحو السجن هو الخيار الأكثر عقلانية، فإن ذلك يعلن رسمياً أن العصب القتالي للجيش قد انكسر، وأن صرحه العسكري بات يتهاوى تحت ثقل الاستنزاف والصمود الميداني.
د. نبيلة عفيف غصن
