لم يكن التصريح الساخر الصادر عن وزير الخارجية الإيراني رداً على نظيره الأمريكي مجرد “قصف جبهة” إعلامي أو مناكفة دبلوماسية عابرة على منصات التواصل الاجتماعي؛ بل كان تتويجاً لمواجهة فكرية وجيوسياسية تختزل أزمة المنطقة بأسرها مع الوعود الغربية.
​ماركو روبيو: “يمكن لإيران أن تكون أغنى دولة في الشرق الأوسط لو وثقت بالولايات المتحدة.”
عباس عراقجي: “انظروا كم أصبحت كل من سوريا وأفغانستان والعراق مزدهرة بعد أن وثقت بالولايات المتحدة!”
​1. وهم “الجزرة الذهبية”: العقلية الإمبراطورية في ثوبها الناعم
​تعتمد الرؤية الاستعمارية الحديثة على معادلة بسيطة ومكررة: التسليم بالتفوق والهيمنة مقابل الوعود بالرفاه. يقدم الخطاب الأمريكي نفسه دائماً باعتباره “مفتاح الفردوس الاقتصادي”، لكن هذا “الازدهار” الموعود المشروط بالثقة المطلقة يحمل في طياته أثماناً باهظة:
​سلب الإرادة السياسية: تحويل الدول من فواعل استراتيجية مستقلة إلى مجرد أحجار على رقعة الشطرنج الدولية.
​الارتهان الاقتصادي: ربط الأنظمة المالية والأسواق بالمنظومة الغربية، مما يجعل النمو هشاً ومرهوناً بمدى الرضا السياسي في واشنطن.
​2. بلاغة التهكم: استدعاء جثث التجربة
​أفغانستان: عشرون عاماً من “بناء الدولة” تحت الرعاية الأمريكية انتهت بمشهد هروب دراماتيكي وتخلي مباشر عن حلفاء الأمس في ليلة وضحاها.
​سوريا: عانت من التدخلات وصراعات الوكالة والسياسات الاقتصادية الخانقة، مما جعل المواطن هو من يدفع ثمن التجاذبات الدولية.
​3. لا نهضة تحت ظلال الحماية الأجنبية
​بعيداً عن السجال السياسي المباشر، تُفضي هذه المواجهة الكلامية إلى حقيقة تاريخية وجوهرية يجب أن تعيها كافة شعوب الشرق الأوسط: السيادة لا تُستجدى، والازدهار الحقيقي لا يُستورد على متن حاملات الطائرات.
​تاريخ النهضات العظمى (من اليابان وألمانيا بعد الحرب، إلى الصين وماليزيا) يُثبت ثلاثة أركان لا تقبل التشكيك:
.1 ​الاعتماد على الذات (Self-Reliance): لا توجد قوة عظمى تبني لك اقتصاداً يهدد نفوذها أو يمنحك استقلالية تامة عنها.
.2 ​بناء القوة الداخلية: العلم، الصناعة، والتكنولوجيا هي الدرع الوحيد ضد الابتزاز الخارجي.
​الخروج من ثنائية “الارتهان أو الدمار”
​إن المعركة الحقيقية لنهضة الشرق الأوسط ليست محصورة في “الثقة المطلقة بواشنطن” أو “العداء المجرّد دون بناء”، بل هي معركة استعادة الذات الحضارية. الأمة التي تنتظر رفاهها من البيت الأبيض، أو التي تحصر خياراتها في الشعارات البلاغية دون بناء اقتصادي وعلمي حقيقي، كلاهما تعيشان خارج هامش التاريخ.
​الرد الحقيقي على القوى العظمى يبدأ بالتحول إلى ندّ اقتصادي وعلمي وسيادي يُجبر العالم على احترامه دون شروط.
د. نبيلة عفيف غصن