كيف تحولت أرض القفار والعزة، الأرض التي علّمت الإمبراطوريات كيف تأكل إلى مجرد حقل تجارب مكشوف وبيذق مسلوب الإرادة في سوق البذور العالمية؟
القصة ليست مجرد تقلبات مناخية أو أزمة أسمدة عابرة كما يروج العاجزون فكريا في البيروقراطيات المعتمة بل هي جريمة متسلسلة الأركان،مؤامرة تاريخية وسياسية وبيولوجية تمتد جذورها من أسوار قرطاج المحترقة إلى مكاتب التشريع المظلمة في تسعينيات القرن الماضي.
لا نتحدث هنا عن مجرد حبة قمح أو بذرة طماطم بل نتحدث عن العمود الفقري للسيادة الوطنية، عن شرف الأرض وجيناتها التي تعرضت لأقذر عملية استخرام ونهب وسلب على مر العصور.
كانت هذه الأرض وتونس الحالية تحديدا هي المركز العصبي للابتكار الفلاحي والعلوم الأجرونومية في الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط.
ولم تكن تسمية تونس بمطمور روما مجرد مجاملة إمبراطورية أو وصفا سياحيا عابرا لخصوبة التربة بل كانت اعترافا رغما عن أنوف الرومان بتفوق نظام زراعي متكامل ومجيد طوّره العقل القرطاجي.
تجسد هذا المجد العظيم في الأطروحة التاريخية الخالدة للعالم القرطاجي الكبير ماغون الذي أجبرت المصادر الكلاسيكية على تسميته عنوة بأبي الفلاحة.
ألف ماغون موسوعته الشاملة في 28 مجلدا باللغة البونيقية، صاغ فيها أصول عمارة الأشجار وزراعة الكروم والزيتون والحبوب وطور تقنيات تخصيب التربة بالسماد العضوي وتحسين سلالات الماشية وإدارة العمالة بحرفية سبق بها عصره بقرون.
وبلغ هذا التأثير المعرفي حدا جعل كبار كتبة الرومان مثل فارون وكولوميلا وبليني الأكبر يقتبسون منه بذهول ويعتمدونه مرجعا محوريا لبناء الزراعة الرومانية.
لكن المافيا الإمبراطورية في روما لم تكن تحتمل وجود قوة زراعية واقتصادية مستقلة تشكل خطرا حيويا على هيمنتها. تشير التحليلات التاريخية أن الحروب البونيقية وخاصة الحرب الثالثة التي انتهت بتدمير قرطاج عام 146 قبل الميلاد لم تكن مجرد نزاع عسكري على الحدود بل كانت محركاتها الأساسية هي الحقد الاقتصادي الخسيس والخشية العميقة من التفوق الفلاحي البونيقي.
وتجسد ذلك في المشهد المسرحي الشهير للسيناتور الروماني كاتون الأكبر عندما وقف في قلب مجلس الشيوخ الروماني وهو يحمل تينة طازجة قطفت للتو من أرض قرطاج ليلوح بها في وجوه الجبناء كدليل على القرب المرعب للقوة الاقتصادية القرطاجية صارخا بعبارته الفاشية الشهيرة
« يجب تدمير قرطاج».
وعندما سقطت قرطاج وتم إحراقها وحرث أرضها بالملح اتخذ مجلس الشيوخ الروماني قرارا استثنائيا بنهب مكتباتها والاستحواذ الحصري على مجلدات ماغون الـ 28 ونقلها إلى روما حيث شكّلوا لجنة برئاسة ديسيموس سيلانوس لترجمتها رسميا إلى اللاتينية وترجمها كاسيوس ديونيسيوس إلى الإغريقية بينما تركوا بقية المخطوطات والكتب الأدبية المنهوبة للملوك النوميديين.
كانت هذه أول عملية استعمار معرفي وبيولوجي منظمة في التاريخ حيث جرى امتصاص العلوم الفلاحية القرطاجية لبناء الضياع الرومانية الكبرى وتحويل المجال التونسي بالقوة والقهر إلى مزارع أحادية لإنتاج الحبوب بهدف إطعام جياع الإمبراطورية الرومانية.
ولم يتوقف هذا المسار الاستعماري عند حدود العصور القديمة بل امتد عبر مهندسي التبعية المحدثين في العصر المعاصر الذين واصلوا عملية تفكيك الرصيد الجيني التونسي والبذور البلدية الأصيلة بالتقسيط المريح.
في منتصف القرن العشرين وتحديدا خلال عقود السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي تم إدخال نماذج الثورة الخضراء المسمومة إلى تونس بدعم مباشر من مؤسسات التمويل الدولية والشركات الاحتكارية عابرة القارات.
جرى التخلي التدريجي والجرائمي عن المنظومات الفلاحية التقليدية والمتنوعة لصالح أصناف هجينة ومستوردة تدعي الإنتاجية العالية لكنها مشروطة بعبودية كاملة للأسمدة الكيميائية والمبيدات الحيوية والري المكثف.
أدى هذا التحول الخبيث إلى تهميش البذور البلدية التي طورها الفلاح التونسي عبر آلاف السنين لتتلاءم بعبقرية مع التغيرات المناخية وشح المياه.
ثم جاءت القاضية التشريعية التي صاغتها أياد مكبلة بالعمالة والجهل والمتمثلة في صدور القانون عدد 42 لسنة 1999 المؤرخ في 10 ماي 1999 والمتعلق بالبذور والشتلات والمستنبطات النباتية.
كان هذا القانون هو المنعطف الخياني الأبرز لإحكام التبعية البذرية وتجريم السيادة الوطنية.
فرض هذا التشريع إطارا يقيد إنتاج البذور وتداولها واشترط لبيع أو تداول أي صنف زراعي أن يكون مرسما في ما يسمى بالسجل الرسمي للأصناف النباتية.
والمصيبة الكبرى تتجلى في معايير التسجيل القاتلة
والتي تشترط خضوع البذور لاختبارات صارمة تعرف بمعايير التميز والتجانس والثبوت الجيني والفينوتوبي.
هذه المعايير التقنية صُممت خصيصا على مقاس الشركات الصناعية الغربية والبذور المهجنة جيل أول F1 لإقصاء البذور البلدية التونسية الأصيلة بدم بارد فالبذور الأصلية بطبيعتها البيولوجية الشريفة تتسم بالتنوع الجيني الداخلي والمرونة التكيفية وهي الخصائص ذاتها التي تجعلها صلبة وقادرة على قهر الجفاف والأمراض لكنها تفشل عمدا في اختبار التجانس الصارم الذي وضعه السماسرة.
وبموجب الفصل 9 من قانون سنة 1999 أصبح تداول أو بيع البذور البلدية غير المسجلة محظورا تجاريا ومجرما قانونيا مما جعل الممارسات التاريخية والمقدسة للفلاحين التونسيين في تبادل البذور وإكثارها الحر جرما يستوجب العقاب.
وبالتوازي مع هذا الحظر التشريعي الفاشي تعرض الرصيد الجيني الوطني لعمليات قرصنة وتريب مكثفة خلال القرن العشرين نحو بنوك جينات أجنبية ومراكز بحث دولية. وتكشف البيانات الرسمية الصادمة للبنك الوطني للجينات بتونس أن أكثر من 11000 عينة جينية لبذور وزراعات محلية تونسية أصيلة أصبحت مصادرة ومحفوظة في الخارج من بينها آلاف العينات المنهوبة في بنوك جينات أسترالية وأمريكية وأوروبية.
أدى هذا الاستنزاف الجيني إلى فقدان تونس لكرامتها وسيادتها الغذائية على مستوى الخضروات والزراعات الحقلية حيث أصبحت الدولة تستورد سنويا نحو 90% من بذور الخضروات على شكل بذور هجينة عقيمة في جيلها الثاني لا يمكن إعادة زراعتها مما أوقع القرار الزراعي الوطني في فخ الارتهان الكامل للشركات الاحتكارية الموردة.
الأبعاد الإجرامية لاستبدال البذور البلدية الأصيلة مثل أصناف القمح التاريخية محمودي وشيلي وبيضي وجناح الخطيفة بالبذور الهجينة المستوردة لا تتوقف عند حدود الاقتصاد والسياسة بل تمتد لتضرب صحة أجسادنا وأمعاء أطفالنا في صميمها.
تركزت عمليات التحسين الوراثي للقمح الصلب والقمح اللين في المختبرات الغربية على زيادة المحصول التجاري وتحسين القوة التكنولوجية للغلوتين لتلائم الميكنة الصناعية السريعة للمخابز الكبرى.
وأدت عمليات التهجين والانتخاب الصناعي للأصناف المستوردة إلى تعديل هيكلي كارثي في النسب البروتينية المكونة للقمح.
غلوتين القمح يتكون بيوكيميائيا من مجموعتين رئيسيتين من البروتينات هما الغليادين والغلوتينين .
أظهرت التحليلات البيوكيميائية المتقدمة أن الأصناف التونسية القديمة المحمودي والشيلي تتميز بتوازن ببتيدي طبيعي وهضم سلس في جهازنا الهضمي في المقابل أدت خيارات التهجين الحديث والتسميد النيتروجيني المكثف والمزدوج المخصص للبذور الهجينة إلى خلل صارخ وارتفاع مفرط في تركيز ببتيدات الغليادين .
يتسبب هذا الخلل في تشكل ببتيدات معقدة ومقاومة للهضم الإنزيمي والذي يستطيع اختراق الجدار المعوي للبشر كالشظايا النافذة محفزا الخلايا المناعية التائية لتشن هجوما الذاتيا على الأنسجة.
وهذا ما يفسر الانفجار الرهيب والارتفاع المهول في معدلات الداء الزلاقي والاضطرابات الهضمية التحسسية ومتلازمة القولون العصبي والسرطانات المعوية وأمراض المناعة الذاتية في المجتمع التونسي خلال العقود الأخيرة.
نظامنا المناعي والجيني الذي تطور عبر آلاف السنين مع بذور القمح الاصيلة بات يتعامل مع القمح الهجين والمعدل كجسم غريب وسم بيولوجي يحقن في أمعائنا يوميا.
لكن هذه الأمة ورغم كل أشكال القمع والتبعية والنهب تأبى أن تموت الموتة الأخيرة.
ففي وجه الموانع التي فرضها قانون سنة 1999 وفي وجه حيتان الاستيراد برزت حركة مقاومة صامتة ومجيدة لاستعادة الموروث الجيني والسيادة الوطنية.
البنك الوطني للجينات بتونس استطاع بفعل إرادات وطنية صلبة أن يخوض معركة استرداد تاريخية ونجح في استرجاع أكثر من 7745 عينة وراثية مكسورة من بنوك جينات أجنبية من بينها 1705 عينات من بذور الأعلاف التونسية من أستراليا وآلاف عينات الحبوب من أمريكا ومراكز البحث الدولية بل وأنجز الفريق العلمي التونسي التنسيق والتسلسل الجينومي الكامل لصنفي القمح التاريخيين محمودي وشيلي ونشر بياناتهما على المنصات العلمية العالمية لإثبات الأصالة وقهر محاولات السرقات المستقبلية مع صون أكثر من 45500 عينة وراثية نباتية وطبية داخل المحافظ الوطنية.
وفي عمق أريافنا القاسية يخوض الفلاح التونسي البسيط معركة شرف يومية ضد التشريعات الظالمة عبر شبكة تضامنية شعبية للالتفاف على القانون عدد 42 لسنة 1999. يتسلم المزارعون عينات البذور الأصيلة المسترجعة من البنك الوطني للجينات دون مقايضة مالية أو عقود تجارية خاضعة لبنود الاحتكار يزرعونها و يكثرونها وفي نهاية كل حصاد يمارسون طقس ترجيع الأمانة بإعادة النسبة المقتطعة للبنك الوطني لتجديد المخزون وتوزيع الكميات المتبقية مجانا على المزارعين المجاوزين في المهرجانات المحلية والشبكات الشعبية.
يحولون البذرة من سلعة خاضعة لقوانين السوق الاستعمارية إلى ملكية عامة وحق حيوي للوجود.
معركة البذور في تونس ليست تفصيلا تقنيا أو ترفا بيئيا بل هي معركة وجود ومعركة تحرر وطني بامتياز.
السيادة الغذائية والصحية لن تتحقق إلا بالتفكيك الفوري والكامل لكل التشريعات المكبلة وعلى رأسها القانون عدد 42 لسنة 1999 والدعم المطلق للبنك الوطني للجينات لاسترداد ما تبقى من رصيدنا الجيني المسلوب بالخارج والاعتراف الرسمي والناجز بحقوق الفلاحين في حفظ بذورهم وإكثارها وتبادلها بحرية كاملة.
إما أن نملك بذورنا وقمحنا وقرارنا الغذائي أو سنظل مجرد عبيد مرغمين على أكل السموم الهجينة في انتظار الموت البطيء.
عماد بن نصر
