تاريخ الأمس،عبرة لليوم والغد
محمد عز
إذا قرأنا تاريخ النزاعات الدولية وتجاربها، نرى أن أغلب الصراعات تتحول في نهاية المطاف إلى تسويات سياسية تُتوَّج بمكاسب استراتيجية حقيقية لكلا طرفي الصراع. ولنا في الحرب الأمريكية–الفيتنامية خير شاهد ودليل؛ فبعد حرب طاحنة، واستمرار القطيعة الدبلوماسية والسياسية بين الطرفين لمدة عشرين عامًا، من 1975 إلى 1995، أفضى هذا الصراع لاحقًا إلى قيام علاقات جيدة شملت الاقتصاد والتجارة والأمن، حتى رفع الطرفان مستوى علاقتهما إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2023.
واليوم، في حالة الصراع بين إيران والولايات المتحدة، ومع استخدام القوة العسكرية المفرطة، وتبادل الضربات، وتأزيم الحركة الملاحية في الخليج، وانكشاف حدود المواجهة، وعدم نجاعة الخيار العسكري لدى أي طرف في حسم الصراع، يتضح أن الولايات المتحدة لا تستطيع إسقاط إيران أو سحب أوراق قوتها بالنار، كما أن إيران لا تستطيع إخراج الأصول الأمريكية من المنطقة تحت وطأة القوة العسكرية. ومن ثم، فإن استمرار الصراع دون أفق سياسي أو خطة استراتيجية للحسم يؤدي إلى حالة من الجمود، من دون أن يحقق أي طرف أهدافه الاستراتيجية.
ولا ينفي ذلك وجود قناعة لدى الطرفين بأن استمرار المواجهات لن يؤدي إلى نتائج مرضية، إلا أن أزمة انعدام الثقة بينهما لا تزال تؤزم الموقف. لذلك، لا بد من وجود ضوابط سياسية جادة تمنع استمرار المواجهة من دون نتائج، وإذا توافرت لدى الطرفين إرادة سياسية حقيقية لتسوية الصراع وكسر حالة الجمود المستعصية، فإن ذلك لا يعني بالضرورة تحولهما إلى حليفين استراتيجيين، بقدر ما يعني إدارة الصراع ضمن إطار سياسي تنظمه تفاهمات أو اتفاقات تنشأ بفعل حالة الاستنزاف العسكري.
