المشروع القومي العربي: هزيمة سياسية أم نهاية تاريخية؟
د. طنوس شلهوب

مما لا شك فيه أن المشروع القومي العربي يعيش اليوم واحدة من أعمق أزماته التاريخية. فقد نجحت الإمبريالية، بالتلاقي مع المشروع الصهيوني والرجعية المحلية و العربية، في إلحاق هزائم متتالية بالدول التي سعت، بدرجات متفاوتة، إلى انتهاج سياسات مستقلة نسبياً عن مراكز الهيمنة الغربية، وربطت شرعيتها بمشاريع التنمية الوطنية وبالدفاع عن القضية الفلسطينية. وقد أدى ذلك إلى إنهاك هذه الدول بالحروب الاهلية والعقوبات والصراعات الداخلية، مما ادى الى إسقاطها، وإلى اختلال عميق في ميزان القوى لمصلحة مشروع الهيمنة.

لكن الاعتراف بهذا الواقع لا يقود، من الناحية المنهجية، إلى الاستنتاج بأن المشروع القومي العربي فقد ضرورته التاريخية. من الضروري التمييز بين الهزيمة السياسية وانتفاء الأساس التاريخي للمشروع. فالهزيمة تعكس ميزان قوى معينا، قد يطول أو يقصر، أما انتفاء الضرورة التاريخية فلا يتحقق إلا بزوال التناقضات التي أوجدت المشروع في المقام الأول.

وهنا يصبح السؤال مختلفا: هل انتهت التجزئة العربية؟ وهل تحققت السيادة الوطنية؟ وهل خرجت الاقتصادات العربية من التبعية البنيوية للرأسمالية العالمية؟ وهل أصبحت فلسطين خارج دائرة الصراع؟ وهل نشأت سوق عربية متكاملة وقاعدة علمية وصناعية مستقلة؟ إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن الأسس الموضوعية التي أفرزت المشروع القومي لا تزال قائمة، حتى لو تعرضت القوى الطبقية والاجتماعية التي حملته إلى هزائم تاريخية.

ومن هنا، أعتقد أن الخلط بين نهاية مرحلة الصعود السياسي ونهاية الضرورة التاريخية للمشروع هو أحد أكثر الأخطاء شيوعاً في قراءة التاريخ. فالتاريخ لا يعرف خطا مستقيما، ولا يتحرك بمنطق الانتصارات النهائية والهزائم النهائية، بل بمنطق الصراع وإعادة تشكل موازين القوى.

لقد هُزمت الثورات الأوروبية عام 1848، لكن ماركس لم يستنتج من ذلك أن المشروع الاشتراكي فقد مبرراته التاريخية. وسُحقت كومونة باريس، لكنها لم تعنِ نهاية الاشتراكية. وحتى انهيار الاتحاد السوفييتي، على الرغم من كونه هزيمة تاريخية كبرى، لم يلغِ التناقض الأساسي بين العمل ورأس المال، ولم ينهِ الحاجة الموضوعية إلى البحث عن بديل للرأسمالية. فالضرورات التاريخية لا تُقاس بنتائج جولة واحدة من الصراع، مهما كانت قاسية، بل ببقاء أو زوال التناقضات التي أفرزتها.

وبالمنهج نفسه، فإن تراجع المشروع القومي العربي لا يكفي للحكم بانتهاء مرحلته التاريخية. فما دامت التجزئة، والتبعية، والاختراق الخارجي، والتخلف التنموي، واستمرار المشروع الصهيوني بوصفه أداة لإدامة هذا الواقع، تشكل السمات البنيوية للنظام العربي، فإن القضية التي حملها المشروع القومي لا تزال قائمة، وإن كانت تحتاج إلى مقاربات وأدوات وأشكال تنظيم جديدة تختلف عما عرفه القرن العشرون.

وهنا يجب الاشارة الى أن التفاوت الهائل في مستويات التطور بين البلدان العربية راهناً يجعل المشروع القومي أكثر تعقيداً مما كان عليه في منتصف القرن العشرين، لكنه لا يجعله أقل ضرورة. بل إن هذا التفاوت نفسه هو، إلى حد كبير، نتاج قرن من التجزئة والتبعية واختلال التنمية، الأمر الذي يفرض إعادة التفكير في المشروع القومي بوصفه مشروعاً للتكامل التدريجي، لا مشروعاً للوحدة الفورية. فالمهمة أصبحت أصعب، لكنها أصبحت، في الوقت نفسه، أكثر إلحاحاً.

لذلك، ربما يكون السؤال: هل زالت الشروط التاريخية التي جعلت الوحدة العربية ضرورة موضوعية؟ فإذا كانت هذه الشروط لا تزال قائمة، فإن إعلان نهاية المشروع يصبح حكما أيديولوجيا يعكس ميزان قوى تاريخيا معينا، أكثر مما يعكس قانوناً من قوانين التطور التاريخي.

إن القراءة الواقعية لا تعني إنكار الهزيمة، كما لا تعني إعلان نهاية التاريخ. إنها تعني الاعتراف بأن مرحلة الصعود القومي العربي، بصيغتها التي عرفها النصف الثاني من القرن العشرين، قد انتهت، لكن هذا يختلف تماماً عن القول إن المسألة القومية العربية نفسها فقدت مبرراتها التاريخية. فالمشروعات التاريخية تُقاس بمدى استمرار التناقضات التي استدعت ظهورها، وبقدرة القوى الاجتماعية الجديدة على إعادة إنتاجها في أشكال أكثر نضجاً وملاءمة لظروف عصرها.