معادلة الردع الخشن: كيف يكسر اليمن استراتيجية الخنق الصامت والمفاوضات العقيمة؟
نبيل الجمل
إن استراتيجية “اللاحرب واللاسلم” التي يُراد فرضها على اليمن لسنوات ليست سوى حرب استنزاف خبيثة ومميتة، تتجاوز في خطورتها المواجهة العسكرية المباشرة؛ إذ تهدف بشكل أساسي إلى خنق الجبهة الداخلية بالفقر، والبطالة، وتجفيف الإيرادات، وقطع المرتبات، لخلخلة الصمود الشعبي الأسطوري بعد أن عجزت السعودية بقيادة أمريكا والصهاينة عن تحقيقه في ميادين المواجهة العسكرية المفتوحة. وأمام هذا الواقع المرير، فإن الاستمرار في مسار المفاوضات العقيمة دون سقف زمني محدد لم يعد خياراً استراتيجياً مقبولاً أو ممكناً مع شعب يعاني مجاعة وفقراً مدقعاً، بل إن الخروج من هذا المأزق بات يتطلب صياغة استراتيجية الردع الخشن، والدمج الذكي والفاعل بين أوراق القوة العسكرية والسياسية لفرض واقع جديد ينتزع الحقوق انتزاعاً.
على الصعيد العسكري والعملياتي، وعندما يصبح الحصار أداة للموت البطيء، فإن تفعيل القوة المسلحة لكسره يغدو واجباً شرعياً ووطنياً لا مفر منه، وهنا لا بد من الانتقال من معارك الاستنزاف التقليدية إلى معادلة كسر العظام الاقتصادية للطرف الآخر. وتبرز في مقدمة هذه المسارات معادلة “الميناء بالميناء والمطار بالمطار”، بحيث يفهم الخصم أن استمرار إغلاق مطار صنعاء وحصار ميناء الحديدة سيقابله شلل تام في حركة الموانئ والمطارات الحيوية في عمقه، بالتوازي مع توجيه ضربات دقيقة وقاصمة للمنشآت النفطية ومحطات الطاقة التابعة له، مما يجعل كلفة استمرار حالة الركود باهظة جداً على اقتصاد يبحث عن الاستقرار والمليارات لتمويل مشاريعه. كما أن استثمار الموقف اليمني الشجاع في إسناد غزة وتطوير العمليات في البحار يعد ورقة ضغط دولية استراتيجية تفهم من خلالها القوى العالمية الداعمة للحصار أن استقرار الملاحة الدولية مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإنهاء الحصار الشامل على الشعب اليمني.
أما على المسار السياسي، فإن الأمر يتطلب انتقالاً فورياً من موقف الانتظار والرد إلى موقف المبادرة وفرض الشروط عبر إعلان انتهاء صلاحية المفاوضات المفتوحة، ووضع مهلة زمنية محددة وصارمة لتنفيذ الاستحقاقات الإنسانية وعلى رأسها ملف الأسرى والمرتبات، بحيث يعني تجاوز هذه المهلة العودة التلقائية للخيار العسكري الشامل. ويتزامن ذلك مع رفض محاولات النظام السعودي المستمرة للاختباء خلف لافتة “الوسيط”، والإصرار سياسياً وإعلامياً على تحميله المسؤولية المباشرة باعتباره قائداً للتحالف والطرف الملتزم بالتعويضات وإعادة الإعمار وصرف الحقوق، مع تمتين التنسيق السياسي مع قوى محور المقاومة لضمان ألا تظل الجبهة اليمنية مستفردة، وتحويل أي مواجهة قادمة إلى معركة إقليمية شاملة تحسب لها واشنطن وأدواتها ألف حساب.
ولا يكتمل هذا البناء الاستراتيجي دون تحصين الجبهة الداخلية ومواجهة آثار الحصار الاقتصادية والاجتماعية أثناء فترة التحضير لأي حسم، وذلك عبر تفعيل حقيقي لآليات اقتصاد الحرب التكافلي، وتوجيه موارد الزكاة والأوقاف والمتاح من إيرادات الدولة بشكل صارم لإنشاء صناديق دعم طارئة تخفف حدة الفقر عن الطبقات الأكثر تضرراً كأسر الشهداء والمرابطين والموظفين المنقطعة رواتبهم. ويتطلب هذا الصمود أيضاً الضرب بيد من حديد على أي مظهر من مظاهر الفساد أو استغلال الوظيفة العامة لتعزيز ثقة المجتمع الحاضن والمقاوم، تزامناً مع تشجيع الإنتاج الزراعي المحلي ودعم المبادرات المجتمعية لتحقيق حد أدنى من الاكتفاء الذاتي في السلع الأساسية وتقليل الاعتماد على الاستيراد المخنوق بالحصار. إن المماطلة واللعب على عامل الوقت هما سلاح العاجز، والحل الحقيقي لليمن اليوم لم يعد في أروقة السياسة الملتوية، بل في قرار شجاع يربط استقرار المنطقة ومصادر طاقتها باستقرار المواطن اليمني وحصوله على قوته ومرتباته، فاليد التي لا تزال على الزناد هي وحدها الكفيلة بإنهاء حالة الموت السريري وفرض السلام المشرف.
