في لحظة تاريخية فارقة، وبينما يحاول لبنان لملمة جراحه والبحث عن مسار للسيادة والاستقرار، تبرز من بين ركام الماضي القريب، وجوهٌ ظننا أنها اندثرت في دهاليز السجون. إن خروج “معاذ عبد الرزاق مرعب” (أبو محمد اللبناني) من سجن صيدنايا، ليس مجرد حدث عابر في سجلات الإفراجات، بل هو إعلان عن إعادة تدوير “مشروع الموت” في قلب الساحة اللبنانية.
الصندوق الأسود: حين يختلط “الجهاد” بالعمالة للتاريخ
إن قراءة مسيرة معاذ مرعب، الممتدة من إرث أبي مصعب الزرقاوي وتناقضات “ساحة الشام”، تكشف عن حقيقة واحدة: هذه التنظيمات ليست سوى أدوات بيد الأوهام. التاريخ يخبرنا كيف انشقت “الجناحات الناشزة” عن المركزية لتنفذ أجندات داخلية، من تفجيرات حلب إلى الانتحاريين الذين عبثوا بأمن البلاد.
اليوم، يطل علينا مرعب من بوابة “طرابلس”، محاطاً بهالة من السرية المصطنعة. إن هذا “الغموض” ليس دليلاً على القوة، بل هو محاولة بائسة لإخفاء وجه تنظيمٍ تلطخت يداه بدماء الأبرياء، ويسعى اليوم تحت عباءة “القيادة العسكرية” ليقدم نفسه كطرف فاعل في معادلة المواجهة مع المقاومة.
السيرة القاتمة: من “طريق العراق” إلى “أزقة طرابلس”
لم يكن معاذ مرعب يوماً سوى حلقة في سلسلة طويلة من القيادات التي أدارت “الساحات” كملعب للمغامرات. إن الرجل الذي اختاره الزرقاوي يوماً لضبط “الساحة السورية”، هو ذاته الذي يقبع اليوم في طرابلس، محملاً بأفكار تعود لعصرٍ تجاوزه الزمن.
إن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: لماذا يُسمح لهذه الشخصيات التي تقتات على الفوضى أن تعود لتتصدر المشهد؟
إن زيارة “الشيباني” المرتقبة إلى طرابلس، إذا ما صحت الأنباء حول إمكانية لقائه بمرعب، لن تكون مجرد لقاء عابر؛ بل ستكون مؤشراً خطيراً على محاولة هندسة “فوضى منظمة” في لبنان، حيث يتم استحضار “فزاعة القاعدة” لتكون وقوداً لصراعات عبثية لا ناقة للبنان فيها ولا جمل.
تحذير وطني: لبنان ليس صيدنايا
إننا أمام مرحلة حساسة لا تحتمل “مغامرات العودة إلى الماضي”. إن محاولة توظيف “مرعب” وأمثاله لقيادة “عمل عسكري ضد المقاومة” هي دعوة صريحة لحرق ما تبقى من أمن البلاد. إن على القوى الفاعلة في طرابلس، ومن المجتمع المدني والسياسي اللبناني، أن يدركوا أن إعادة إنتاج هذه الرموز تحت أي مسمى هو في جوهره عملٌ تدميري. إن هؤلاء الذين تدربوا في “جامعات السجون” لا يملكون في جعبتهم سوى ثقافة الانفجار والخراب.
إن تحصين مدينة طرابلس ضد محاولات استدراجها إلى أتون الصراعات لا يكون بالتمني، بل باستراتيجية وعي مجتمعي متكاملة:
.1 كسر طوق السرية بالشفافية: يجب على النخب والفاعلين الاجتماعيين سحب الغطاء عن أي تحركات مشبوهة، وتعرية الأهداف الحقيقية لهؤلاء القادة أمام الرأي العام، لنزع الحاضنة الشعبية التي يتوهمون وجودها.
.2 تفعيل الأمن الاجتماعي: تحويل المساجد والجمعيات والنوادي إلى منصات لنشر الوعي الوطني، وخلق بدائل إنتاجية للشباب تحميهم من الانخراط في مشاريع عابرة للحدود.
.3 ميثاق شرف طرابلسي: توحيد الخطاب بين العائلات والمؤسسات المدنية لرفض تحويل المدينة إلى قاعدة عسكرية أو منطلق لعمليات أمنية ضد أي طرف داخلي، وخلق “فيتو شعبي” يمنع أي مغامر من التحدث باسم الشارع.
.4 تفكيك السردية التاريخية: تبني حملة من قبل الباحثين لتفكيك أكاذيب هؤلاء القادة، وإظهار أنهم كانوا دوماً أدوات للتهريب والعمليات الأمنية، لا قادة للمشاريع الوطنية.
.5 الرقابة الشعبية اليقظة: رصد الزوار المشبوهين واللقاءات غير المعلنة، ورفع الصوت عالياً ضد أي تنسيق أمني يمس أمن المدينة، لتشعر هذه القوى أن طرابلس ليست “ساحة مباحة” للتجارب.
إن خلاص لبنان الحقيقي لا يبدأ بلقاءات سرية في غرف مظلمة، ولا بتنصيب قادة قادمين من عتمة صيدنايا لإشعال الحرائق. المسار الوطني يبدأ بالوعي الشعبي، وبالرفض القاطع لعودة “مشاريع التطرف”.
يا أهل طرابلس، ويا أحرار لبنان: احذروا الذين يقتاتون على إرث الزرقاوي، فإن من باع دمائه في صهاريج التهريب بالأمس، لن يتردد في بيع أمن مدينتكم اليوم في سوق المصالح الدولية. لنكن حائط صدٍ في وجه هذه التوجهات، فالمستقبل يُبنى بالحوار والاستقرار، لا بالسراديب والعمليات العسكرية المشبوهة.
د. نبيلة عفيف غصن
