في مأزق الحقيقة وسقوط الأقنعة
نحن نعيش اليوم في عصرٍ لا تُحسم فيه المعارك بالرصاص وحده، بل بحرب الأدمغة وتصفية الوعي. إننا نقف أمام لحظة تاريخية فارقة، حيث تحولت “الحقيقة” إلى ضحية أولى في حروب الجيل الرابع وما بعدها، تلك الحروب التي لا تستهدف الحدود الجغرافيا، بل تستهدف “الذاكرة السياسية” و”البوصلة الوطنية”. إن ما تعرض له قادة الرأي والسياسة في محور المقاومة -وعلى رأسهم اللواء جميل السيد والكاتب ناصر قنديل- ليس مجرد هجمات إعلامية عابرة، بل هو عملية “اغتيال معنوي” ممنهجة، تم التخطيط لها في غرف الاستخبارات الغربية وتُنفذ بأيدي “مرتزقة” تخلوا عن شرف الكلمة. هذه المعركة هي معركة وجود بين عقولٍ وطنية صلبة، وبين ماكينة تضليلية لا تعرف إلا التزييف.
تشريح استراتيجية الاغتيال المعنوي
إن “الاغتيال المعنوي” ليس بدعة حديثة، بل هو استراتيجية استعمارية قديمة كستها التكنولوجيا الحديثة ثوباً جديداً. يقوم هذا الاغتيال على قاعدة “الشيطنة الوقائية”؛ أي استباق ظهور الحقائق عبر تدمير مصداقية من يمكن أن يصدع بها. عندما تُدرك مراكز الهيمنة أن الشخصية الوطنية تمتلك “مناعة معرفية” وتفوقاً استراتيجياً، فإنها لا تواجهها بالحجة، بل تغتالها بالصورة.
اجتماعياً، يتم استغلال “الفراغ الوعيي” لدى الجمهور، عبر ضخ كم هائل من الشائعات التي تهدف إلى عزل القائد الوطني عن حاضنته الشعبية. إنها عملية “تغريب” قسري، حيث يُصور المدافع عن السيادة كأنه عدو لمجتمعه، ويُرفع المرتزق كأنه بطل للحرية. هذا التشريح الاجتماعي يكشف أن المعركة ليست ضد “أشخاص”، بل ضد “المشروع” الذي يمثله هؤلاء الأشخاص، وهو مشروع الاستقلال الناجز.
الذاكرة السياسية والقدرة على تفكيك المشهد (اللواء جميل السيد نموذجاً)
لا يمكن فهم الاستهداف المستمر للواء جميل السيد دون العودة إلى ما يمثله هذا الرجل من “ذاكرة سياسية حية”. إن جميل السيد هو أحد القلائل الذين يمتلكون أرشيفاً وطنياً يرفض الطي. لقد كان استهدافه استباقاً لمحاولات تزوير التاريخ التي قادتها قوى الوصاية الدولية وأدواتها المحلية.
إن “الاغتيال المعنوي” الذي فُرض عليه طيلة عقود لم يكن موجهاً لشخصه كقائد أمني فحسب، بل لشخصه “كصندوق أسود” يمتلك مفاتيح كشف المخططات التي أدت إلى ضرب الاستقرار الوطني. إن ذكاء جميل السيد السياسي وقدرته الفائقة على قراءة الألاعيب القانونية والأمنية جعلاه “صداعاً مزمناً” لمن أرادوا تحويل لبنان إلى مجرد ساحة لتنفيذ الأجندات. لقد أثبتت الأيام أن كل حملة تشويه تعرض لها لم تكن سوى شهادة إضافية على مدى دقة موقفه الوطني وثباته، حيث يزداد بريقه كلما حاولت قوى التضليل إطفاءه [1].
الكلمة كأداة ردع (ناصر قنديل والعقل التحليلي)
على الجانب الآخر من هذه الملحمة، يبرز الكاتب ناصر قنديل كنموذج للمحلل الذي لا يكتفي بقراءة الواقع، بل يساهم في صياغته. لقد تحول قلمه إلى “سلاح ردع” إعلامي، فكان لزاماً على المنظومة المعادية أن تشن عليه حرباً لا هوادة فيها. إن “الاغتيال المعنوي” لقنديل استند إلى محاولة شيطنة “المنطق” الذي يطرحه؛ فكلما كشف معطيات استراتيجية دقيقة عن التحولات الإقليمية، ردت الماكينة الإعلامية الغربية والتابعة لها بمحاولة تصوير تحليلاته كأنها ضرب من الخيال أو “التنظير”.
إن هذا النوع من الاغتيال المعنوي يستهدف ضرب “ثقة الجمهور بالواقع”. عندما يشاهد المواطن ناصر قنديل وهو يفكك مخططات التفتيت، يتذكر المرتزقة ضرورة إشغاله بالتافه من الأمور، أو بنشر أخبار كاذبة تهدف إلى التشكيك في نزاهته المهنية. لقد أثبت قنديل أن القوة لا تكمن في سلاح الجسد، بل في “سلاح الوعي” الذي يصيب العدو في مقتل [2].
جدلية الارتزاق في الفضاء الإعلامي
لا يكتمل تشريح هذه المعركة دون الحديث عن “المرتزقة الإعلاميين”. إن ظاهرة “الصحافي المرتزق” هي النتاج الطبيعي لثقافة التبعية. هؤلاء الذين باعوا أقلامهم لمن يدفع أكثر، يجدون أنفسهم اليوم في مواجهة مباشرة مع الحقيقة. في هذه اللحظة الراهنة، تسقط الأقنعة وتتلاشى بروباغندا “الاستقلال المزعوم”. إن المقارنة بين وطنية القادة الذين صمدوا في وجه الاغتيال المعنوي وبين هؤلاء المرتزقة تجعل الجمهور يدرك أن الأولين كانوا يدافعون عن “وطن”، بينما كان المرتزقة يدافعون عن “رصيد بنكي” ومناصب هزيلة.
في مواجهة الوهم.. نحو وعي نهضوي
إن مواجهة الاغتيال المعنوي ليست مسؤولية الشخصيات المستهدفة وحدها، بل هي مسؤولية المجتمع بأكمله. نحن بحاجة إلى “ثورة وعي” تجعل من الحقائق حصناً منيعاً. يجب أن تتحول المعركة من رد فعل على الاغتيال المعنوي إلى “هجوم استباقي” يقوم على تعزيز الثقافة الوطنية، وتفكيك سرديات التضليل الغربية، وتدريس أجيالنا أن “الرأي الحر” هو أسمى أنواع السيادة [3].
حتمية الانتصار المعنوي
إن الاغتيال المعنوي الذي استهدف جميل السيد وناصر قنديل وغيرهما من الشرفاء لم ينجح في كسر إرادتهم، بل على العكس تماماً، لقد صقلهم وأثبت أنهم الأكثر وطنية في زمن شحت فيه المواقف. إن التاريخ لا يرحم المرتزقة ولا ينسى الأحرار. إن صمود هؤلاء القادة هو البوصلة التي تمنعنا من الضياع في تيه المخططات الاستعمارية. نحن اليوم في مرحلة لا خيار فيها سوى الحقيقة، والحقيقة وحدها ستنتصر على آلات التضليل. فالمعركة المعنوية هي مقدمة للتحرير الوطني الشامل، ومن يمتلك الوعي، يمتلك المستقبل [4].
قائمة الهوامش والمراجع
.1 خليل، ف. (2024). رجال الدولة ومواجهة الحملات التشويهية: قراءة في ذاكرة اللواء جميل السيد، دراسات في الإعلام الأمني، دار المجد للنشر، ص 67-75.
.2 عزيز، م. (2022). الحروب الإعلامية الجديدة وتأثيراتها الاستراتيجية: ناصر قنديل نموذجاً، دار النشر الوطنية، ص 45-58.
.3 عبد الله، س. (2023). الاغتيال المعنوي: التكتيكات والنتائج وآليات التحصين الشعبي، مجلة الدراسات السياسية المعاصرة، العدد 12، ص 89-105.
.4 صالح، ر. (2021). سيكولوجية الشيطنة الإعلامية وتفكيك الخطاب الاستعماري في المنطقة العربية، بيروت، منشورات الأفق، ص 112-130.
د. نبيلة عفيف غصن
