مقدمة: السيادة في الميزان الدستوري
إن الدولة، في جوهرها القانوني، هي تعبير عن سيادة الشعب على أرضه. وفي الحالة اللبنانية، يُعد الدستور اللبناني الوثيقة الأساسية التي تُحدد حدود هذه السيادة وآليات ممارستها. إن مسودة “إطار الاتفاق” المطروحة، والتي تتضمن 1966 كلمة، تثير قلقاً وطنياً وقانونياً بالغاً، حيث تتجاوز في جوهرها كونها “إطاراً فنياً” لتتحول إلى “إعادة هيكلة” للمنظومة الأمنية والسياسية اللبنانية. تهدف هذه المذكرة إلى تفنيد المخالفات الدستورية والقانونية الصارخة في هذا النص، وتبيان تعارضها مع الثوابت الوطنية والمواثيق الدولية.
أولاً: الخرق الصارخ لمبدأ السيادة (الدستور اللبناني)
يؤكد الدستور اللبناني، ولاسيما في ديباجته والمواد المتعلقة بسلامة الأراضي، أن لبنان “وطن سيد حر مستقل”. إن قبول الدولة اللبنانية ببنود تتضمن:
.1 الاعتراف بكيان معادٍ: إن الانحراف عن الموقف العربي الموحد (مبادرة بيروت) والاعتراف الرسمي بـ “إسـ.. ـرائيل” دون استرداد كامل للحقوق الوطنية، يمثل تنازلاً عن ركن أساسي من أركان السيادة. من الناحية الدستورية، لا تملك السلطة التنفيذية صلاحية اتخاذ قرار بهذا الحجم منفرداً، بل هو قرار سيادي يمس الوجدان القومي والوطني.
.2 مناطق الحظر والتفتيش الخارجي: إن السماح بإنشاء “مناطق تجريبية” يتحقق فيها العدو من خلوها من السلاح (البند 3) يعد خرقاً فاضحاً للمادة الثانية من الدستور، التي تنص على أن أراضي الدولة اللبنانية لا يجوز التنازل عنها أو اقتطاعها. إن هذا النوع من “الرقابة الدولية أو الإقليمية” على أراضٍ لبنانية يضع السيادة اللبنانية تحت وصاية مباشرة، وهو ما يتنافى مع مبادئ الاستقلال التام.
ثانياً: تقويض المنظومة الأمنية (اتفاق الطائف والقانون الدولي)
أسس اتفاق الطائف لمرحلة جديدة بعد الحرب الأهلية، مرتكزاً على “جيش وطني قوي” و”مقاومة مشروعة” حتى تحرير كامل الأرض.
.1 حرمان الشعب من حق الدفاع: إن البنود (6 و7) التي تحتكر حق الدفاع للدولة وتمنعه عن الشعب أو المقاومة في ظل غياب جيش يمتلك القدرة الكاملة على حماية الحدود (نتيجة انسحاب الجيش بموجب قرارات حكومية معينة)، يعني عملياً ترك الحدود اللبنانية مكشوفة أمام أي عدوان. دولياً، تمنح “شرعة الأمم المتحدة” الشعوب تحت الاحتلال حق المقاومة المشروع، وأي اتفاق يسقط هذا الحق هو اتفاق يفتقر للشرعية الدولية.
.2 التدخل الخارجي (البند 4): طلب دعم خارجي (عربي أو غيره) لنزع سلاح داخلي يفتح الباب أمام تدخل أجنبي في الشؤون اللبنانية، وهو ما يخرق مبدأ “عدم التدخل” الذي يعد حجر الزاوية في العلاقات الدولية المعاصرة.
ثالثاً: التبعية وإدارة المؤسسات العسكرية
إن التعهدات التي قطعها الوفد اللبناني بخصوص “مشروطية دعم الجيش” (البند 9) هي أخطر ما ورد في الاتفاق:
إن جعل المساعدات العسكرية رهينة لـ “مراحل قابلة للتحقق” و”إشراف مستمر” يعني تحويل الجيش اللبناني إلى أداة تنفيذية لأجندات خارجية. هذا النوع من “الإشراف” يفرغ المؤسسة العسكرية من قرارها الوطني ويخضعها لإرادة واشنطن أو تل أبيب، وهو ما يمس بكرامة الدولة وسيادتها.
إن منع أموال إعادة الإعمار عن جهات معينة (البند 11) يمثل تمييزاً سياسياً صارخاً يطال النازحين اللبنانيين، ويخالف حق الإنسان في العودة والتعويض، كما يمنع الدولة من ممارسة واجبها في رعاية أبنائها.
رابعاً: المسؤولية الجنائية (قانون العقوبات اللبناني)
يأتي البند (13) الذي يمنع ملاحقة العدو قانونياً كذروة “الخيانة الوطنية”. بموجب المادة 275 من قانون العقوبات اللبناني، تُصنف الأفعال التي تمس بسلامة الدولة أو تمنح حصانة للمعتدي تحت بند “الخيانة العظمى”. إن الموقعين على هذا الاتفاق لا يرتكبون مخالفة إدارية فحسب، بل يضعون أنفسهم تحت طائلة الملاحقة الجنائية. القانون لا يعترف بـ “اتفاق” يسقط حق الدولة في ملاحقة مجرمي الحرب الذين اعتدوا على سيادتها.
خامساً: النتائج القانونية والسياسية
إن قراءة هذه البنود مجتمعة تظهر أنها:
.1 اتفاق باطل: لعدم مشروعية التنازلات الجوهرية التي تمس النظام العام.
.2 تجاوز للصلاحيات: السلطة الموقعة تجاوزت الصلاحيات الدستورية الممنوحة لها، إذ لا يمكن التنازل عن حقوق وطنية ثابتة بموجب إطار اتفاق “مؤقت”.
.3 إعادة هيكلة الوصاية: الاتفاق لا يهدف للأمن، بل لإعادة فرض الوصاية بطرق دبلوماسية تقنية.
الخاتمة:
إن هذا الاتفاق، بما يحمله من شروط، يمثل هزيمة سياسية وقانونية، وليس مجرد تسوية أمنية. إنه “عقد إذعان” يفرض على لبنان قيوداً تجعله في حالة “احتلال مقنع”. لذا، فإن المخرج القانوني الوحيد هو رفض هذا الإطار جملة وتفصيلاً، والعودة إلى المرجعيات الدستورية الوطنية. إن الشعب اللبناني، بموجب حقه في تقرير المصير، يمتلك الحق في رفض أي التزام يقيد سيادته أو يشرعن وجود المحتل، وأي جهة توقع على هذا النص تتحمل المسؤولية التاريخية والقانونية أمام الأجيال القادمة.
د. نبيلة عفيف غصن
