من التطبيع مع الاحتلال إلى الترويج لتسليع الإنسان: الإعلام في خدمة رأس المال!
د. طنوس شلهوب

يبدو أن بعض الإعلام اللبناني لم يعد يكتفي بالترويج لاقتصاد الريع والمصارف والمضاربات، بل انتقل إلى مرحلة أخطر: إعادة تعريف الانحطاط الاجتماعي على أنه “فرصة اقتصادية”. ففي برنامج “مش مسرحية” على شاشة MTV، لم يقتصر الأمر عند إحدى المشاركات على اعتبار الدعارة جزءاً من السياحة، بل وصل إلى الدفاع عن تشريعها بذريعة أنها تتضمن “مواهب كثيرة”. هكذا، وبكل بساطة، يصبح الاتجار بالجسد مشروعاً اقتصادياً، ويُختزل الإنسان إلى سلعة تُسوَّق إذا كانت تدر الأرباح.

هذا ليس خطاباً تقدمياً، بل هو التعبير الأكثر فجاجة عن منطق الرأسمالية النيوليبرالية التي تقيس قيمة كل شيء بالمال. فبدلاً من السؤال: لماذا يُدفع آلاف الشباب والنساء إلى الهامش بسبب الفقر والبطالة وانهيار الاقتصاد؟ يصبح السؤال: كيف نحوّل هذا البؤس إلى قطاع استثماري؟ وبدلاً من محاربة أسباب الاستغلال، يجري تسويق الاستغلال نفسه على أنه إنجاز اقتصادي.
وليس هذا الخطاب معزولاً عن السياسة التي تنتهجها هذه المنصة الإعلامية. فمن يتابع أداء قناة المر MTV خلال السنوات الأخيرة يلحظ سعياً متكرراً إلى التحريض الطائفي وتطبيع أفكار وخطابات كانت تُعد مرفوضة وطنياً وشعبياً، سواء في مقاربة الصراع مع العدو الإسرائيلي أو في تقديم التطبيع السياسي والثقافي بصورة غير مباشرة تحت عناوين “الواقعية” و”الانفتاح” و”حب الحياة” و”ما بيشبهونا” وما الى ذلك. فالوظيفة واحدة: كسر المحرّمات وإعادة تشكيل الوعي العام بحيث يصبح ما كان يُرفض بالأمس أمراً عادياً اليوم.

والمنهج نفسه يُطبَّق في القضايا الاجتماعية. فإذا كان التطبيع السياسي يهدف إلى جعل العلاقة مع العدو أمراً عادياً، فإن التطبيع الثقافي يهدف إلى جعل تسليع الإنسان أمراً عادياً أيضاً. كلاهما يقوم على الآلية نفسها: نقل المجتمع تدريجياً من موقع الرفض إلى موقع التقبّل، عبر الإعلام والترفيه وتكرار الرسائل حتى تتحول إلى جزء من “المنطق السائد”.
هذه ليست حرية، بل أقصى درجات الاغتراب؛ حيث لا يكتفي رأس المال باستغلال قوة عمل الإنسان، بل يسعى إلى تحويل جسده، وثقافته، وقيمه الوطنية، إلى سلع قابلة للبيع والشراء. وعندما يصبح هذا المنطق مادة للترفيه على الشاشات، فإن الإعلام لا ينقل الواقع، بل يشارك في صناعة وعي يخدم مصالح الطبقات المسيطرة، ويُعيد إنتاج منظومة ترى أن الربح هو القيمة العليا، ولو كان الثمن كرامة الإنسان أو ثوابت المجتمع.

إن أخطر ما يفعله هذا الإعلام ليس الدفاع عن فكرة شاذة هنا أو رأي مستفز هناك، بل إعادة هندسة وعي المجتمع تدريجياً. فعندما يصبح التطبيع مع العدو مجرد “واقعية سياسية”، ويصبح الاتجار بالجسد مجرد “فرصة سياحية”، ويصبح الربح المعيار الوحيد للحكم على كل شيء، فإننا لا نكون أمام إعلام حر، بل أمام جهاز أيديولوجي يعمل على تفكيك منظومة القيم الوطنية والاجتماعية وإحلال قيم السوق والخيانة الوطنية محلها.

لهذا، فإن مواجهة هذا الخطاب ليست معركة أخلاقية فقط، بل هي معركة سياسية وثقافية وطبقية بامتياز. إنها مواجهة بين مشروع يرى الإنسان مواطناً ومنتجاً وصاحب كرامة، ومشروع آخر لا يرى فيه سوى سلعة قابلة للبيع، ولا يرى في الوطن سوى سوق مفتوحة، ولا في السيادة سوى عقبة أمام اندماجه في منظومة الهيمنة. إن المجتمع الذي يقبل بتسليع الإنسان يقبل ايضاً بتسليع الوطن نفسه، وهذا بالضبط ما تسوق له هذه القناة المتصهينة. ولذلك، فإن مقاومة هذا الإعلام ليست ترفاً فكرياً، بل جزء لا يتجزأ من مقاومة كل أشكال الهيمنة والاستغلال والتطبيع، دفاعاً عن كرامة الإنسان وكرامة الوطن معاً.