في لحظة جيوسياسية بالغة الحساسية، يمر محور المقاومة بمرحلة هي الأخطر منذ عقود، حيث تجمعت خيوط “مؤامرة كونية” مصغرة داخل الجغرافيا السورية، تهدف إلى إتمام ما عجزت عنه الحروب التقليدية. إن ما يجري اليوم ليس مجرد تحركات ميدانية عابرة، بل هو هندسة دقيقة لغرف عمليات سوداء تسعى لإطلاق “طلقة أخيرة” تهدف إلى القضاء على بنية المقاومة في لبنان، وذلك عبر تحالف شيطاني يجمع بين الكيان الإسرائيلي، وتركيا، وبصمات استخباراتية أوكرانية، تحت غطاء من “التسويات” المشبوهة.
المشهد الاستراتيجي: تقاطع المصالح المعادية
تتقاطع المصالح التركية والإسرائيلية في سوريا عند نقطة واحدة: تفريغ الجغرافيا السورية من ثقلها الداعم للمقاومة. ومن أجل ذلك، أُنشئت غرف عمليات مغلقة تتجاوز التناقضات الظاهرية بين هذه الأطراف.
التغلغل التركي: تستثمر أنقرة نفوذها في الشمال السوري والوسط لتهيئة الممرات الأمنية التي تسمح لهذه اللجنة العسكرية بالتحرك بحرية.
الغطاء الاستخباراتي الإسرائيلي: لا يكتفي الاحتلال بضرباته الجوية، بل يعمل عبر هذه الغرف على خلق “وكلاء” محليين أو دوليين لتنفيذ مهام قذرة، وعلى رأسها “مهمة الجولاني” التي تهدف إلى شل قدرات المقاومة في لبنان.
الدور الوظيفي الأوكراني: دخلت العناصر الأوكرانية كأداة تنفيذية خبيرة في “الحروب الهجينة” و”تفكيك البنية التحتية السيبرانية والعسكرية”، حيث يتم توظيفهم لتقديم استشارات وتدريبات تقنية لعمليات الاغتيال أو الرصد التي تستهدف قادة المقاومة.
الحرب الهجينة: الترسانة التقنية في خدمة المخطط
لم يكن دخول العنصر الأوكراني وليد الصدفة، بل هو استجابة لحاجة تقنية ولوجستية ملحة للغرف التركية-الإسرائيلية. إن الدور الأوكراني يتجاوز الاستشارة العسكرية التقليدية ليغوص في عمق “الحرب الهجينة”، حيث يساهم الخبراء القادمون من ميادين الصراع في تحويل الميدان السوري-اللبناني إلى مختبر لتقنيات القمع الاستراتيجي:
التشويش السيبراني المتقدم: توظيف برمجيات متطورة للتشويش على أنظمة الاتصال المشفرة التي تعتمد عليها المقاومة، مما يسهل عمليات الرصد والملاحقة.
تحليل البيانات الضخمة (Big Data): استخدام خوارزميات أوكرانية لربط المعلومات الاستخباراتية الميدانية وتحويلها إلى أهداف دقيقة بنظام “الزمن الحقيقي”.
دعم المسيرات: نقل تقنيات تحويل المسيرات التجارية إلى أدوات استطلاعية أو قتالية فتاكة، مما يمنح غرف العمليات قدرة على تنفيذ “ضربات جراحية” دون تدخل واسع.
اللوجستيات الخفية: تأمين قنوات اتصال محمية وربط الغرف المشتركة في الداخل السوري بمراكز القيادة في الخارج بعيداً عن الرصد التقليدي.
الميدان السوري كساحة للجريمة المنظمة
تتحرك اللجنة العسكرية المشتركة في سوريا بحرية مريبة، حيث كشفت التقارير الميدانية عن تحركات في مواقع حساسة جداً:
معسكر الطلائع وبلدة المنطار في طرطوس: تم استغلال هذه المواقع لاستطلاع نقاط رصد خطوط إمداد المقاومة وتأمين مراقبة تابعة للغرف المشتركة.
فنادق حمص: تحولت هذه الفنادق إلى مراكز قيادة خلفية، حيث يجتمع ضباط أمنيون للتنسيق مع عملاء محليين لتمهيد الأرضية لعملية “التصفية الاستراتيجية” للمقاومة.
الخطر الداخلي: تعمل هذه الغرف على اختراق البنية الأمنية السورية نفسها، مستغلة حالات “تسوية الأوضاع” لتحويل بعض المناطق إلى منصات انطلاق لهجمات ضد لبنان.
التداعيات الميدانية على الحدود السورية-اللبنانية
إن هذا التلاقح التقني واللوجستي يترجم ميدانياً إلى تهديدات مباشرة تهدف إلى:
محاصرة خطوط الإمداد: تهدف العمليات التكنولوجية إلى مراقبة ورصد كافة التحركات اللوجستية، مما يضع هذه الخطوط تحت خطر الاستهداف الدائم.
زرع “خلايا الاستطلاع التقني”: يتم استغلال عمليات “تسوية الأوضاع” في البلدات الحدودية لنشر أجهزة استشعار وكاميرات متطورة لمراقبة الجانب اللبناني.
خلق منطقة عازلة استخباراتية: تحويل الشريط الحدودي إلى ساحة مكشوفة تكنولوجياً، بحيث تصبح أي حركة للمقاومة عرضة للرصد اللحظي.
الرهان على الموقف الروسي وصراع الإرادات
يظل الوجود الروسي في سوريا العامل الأكثر تعقيداً؛ فهذه الغرف تحاول اختبار حدود الصبر الروسي لضمان عدم حدوث صدام مبكر. ومع ذلك، فإن محور المقاومة يرى أن أي تهاون مع هذه التحركات التركية-الإسرائيلية-الأوكرانية سيؤدي حتماً إلى تآكل النفوذ الروسي نفسه، لأن القوى التي تتآمر اليوم على المقاومة ستطرد القوات الروسية غداً.
خاتمة: المواجهة الحتمية
إن التوصيف الدقيق هو “عملية تطويق استراتيجي” تعتمد على “التفوق المعلوماتي”. لكن المقاومة ليست مجرد تشكيلات عسكرية، بل هي عقيدة. إن “الطلقة الأخيرة” هذه قد تكون سبباً في انكشاف كل الخيوط، مما سيسمح للمقاومة بتوجيه رد استراتيجي ينهي هذا التحالف الهش. إن المعركة الحدودية اليوم هي معركة بين “تكنولوجيا التجسس الأجنبية” و”إرادة المقاومة الميدانية”، والأيام القادمة ستثبت أن هذه التكنولوجيا ليست سوى سلاح ذو حدين سيتحول ضد من صنعه.
د. نبيلة عفيف غصن
