إن استهداف الكفاءات العلمية والعقول المتقدمة في العالم العربي يمثل نمطاً تاريخياً متكرراً يهدف إلى تفريغ المنطقة من ركائز تفوقها المعرفي والتكنولوجي. وما أشبه اليوم بالأمس؛ فالتاريخ يعيد نفسه بمشاهد دموية غادرة تعيد إلى الأذهان مسلسل اغتيال العلماء في العراق عقب الغزو الأمريكي، لينتقل السيناريو بحذافيره اليوم إلى قلب دمشق الشام، حيث تمد الأيادي الآثمة الغادرة أصابعها لتغتال الدكتورة العالمة زينة صفتلي في حي المالكي بالعاصمة دمشق.
”اغتالتْ يدُ المنونِ ربيعَها الأربعين، فغادرتِ الحياةَ مضرّجةً بنقاءِ روحِها، تاركةً وراءَها فاجعةً تفطرُ القلوب، وفَقداً يدمي الروحَ على غيابٍ لم يكن في الحسبان.”
د. زينة صفتلي: البصمة العلمية الحرجـة التي أرعبت الأعداء
لم تكن الدكتورة زينة صفتلي مجرد باحثة أكاديمية عابرة، بل كانت قامة علمية استثنائية تشغل تخصصاً من أدق وأخطر التخصصات الاستراتيجية: كيمياء وتكنولوجيا المواد النووية العسكرية (Weapons-Grade Actinide Chemistry). لقد تمكنت الراحلة من تحقيق إنجازات استثنائية حرجة في المجال العسكري، مثّلت قفزات نوعية هددت بكسر التفوق التكنولوجي لمنظومات العدو، وتلخصت إنجازاتها في 3 محاور علمية ثورية:
نجحت الدكتورة صفتلي في ابتكار مفهوم عسكري يقوم على تخليق وقود نووي يمنع رصد الرؤوس الحربية أثناء تحليقها في الفضاء أو اختراقها للغلاف الجوي. وتعتمد الآلية الكيميائية لهذا الإنجاز على دمج البلوتونيوم-239 مع شبكة بلورية ممتدة من مركبات “البورون الفائق” و”الأكتينات الخفيفة” عبر ترسيب كيميائي للبخار (CVD). هذا التركيب الذري الهجين يغير الخواص الكهرومغناطيسية لسطح الكتلة الحرجة، مما يجعله يمتص موجات الرادار عالية التردد بدلاً من عكسها، ويشتت الإشارات الحرارية الناتجة عن التحلل الإشعاعي الذاتي للرأس الحربي. وتكمن الأهمية الاستراتيجية في إنتاج رؤوس نووية ذات بصمة رادارية وحرارية شبه معدومة (Stealth Nuke)، مما يجعل رصدها أو اعتراضها من قبل منظومات الدفاع الصاروخي الفضائية والدفاع الجوي المتطور أمراً مستحيلاً.
2. وقود الانشطار الفائق لتصغير الرؤوس الحربية (Ultra-Dense Sub-Critical Actinide Matrices)
عملت الشهيدة على كسر الحد الأدنى لحجم ووزن القنبلة الذرية، لتمكين الطائرات المسيرة الصغيرة أو القذائف التقليدية من حمل رؤوس نووية. وجاءت الآلية الكيميائية عبر استخدام كيمياء الضغط العالي جداً لتخليق مصفوفة بلورية هجينة تجمع بين البلوتونيوم-239 وعنصر الكاليفورنيوم-252، الذي يعتبر مصدراً هائلاً للنيوترونات التلقائية. الكيمياء التخليقية هنا ترفع الكثافة الذرية للأكتينات إلى مستويات غير مسبوقة، مما يخفض “الكتلة الحرجة” المطلوبة لبدء الانفجار النووي إلى الربع فقط. هذا الإنجاز أتاح القدرة الاستراتيجية على صناعة رؤوس نووية بحجم قبضة اليد وبوزن لا يتعدى كيلوغرامات قليلة مع الحفاظ على قدرة تدميرية تكتيكية هائلة، مما يسمح بدمج السلاح النووي في تكتيكات “أسراب المسيرات” أو صواريخ كروز الصغيرة جداً.
3. الأكتينات ذاتية التدمير الكيميائي عند الاختراق (Self-Neutralizing Actinide Polymers)
من أجل حماية أسرار السلاح النووي من السقوط في يد العدو إذا أسقطت الطائرة أو انحرف الصاروخ عن مساره دون أن ينفجر، هندست الراحلة طبقة بوليمرية ذكية تحيط بالقلب النووي، تحتوي على مركبات فلوئورية فائقة النشاط ومحتجزة داخل كبسولات نانوية كربونية حساسة للصدمات الميكانيكية المحددة. وفي حال رصد المستشعر سقوطاً غير محكم أو اختراقاً لهيكل الرأس الحربي من قبل العدو، تنفجر الكبسولات النانوية لتطلق الفلوور الفائق، والذي يتفاعل فوراً مع البلوتونيوم أو اليورانيوم محولاً إياه إلى غاز (سداسي فلووريد البلوتونيوم) الغازي المتطاير، مما يؤدي إلى تفتيت الكتلة الحرجة كيميائياً وجعلها مجرد تلوث إشعاعي محلي غير قابل لإعادة التجميع أو دراسة تصميمه الهندسي.
الدكتور نبيل زغيب: عالم ومهندس صواريخ برتبة عميد، ويُعتبر من العقول التأسيسية لبرنامج الصواريخ السوري، واغتيل مع أفراد عائلته في حي باب توما بدمشق عام 2012.
الأستاذ الدكتور محمد علي عقيل: نائب عميد كلية الهندسة المعمارية في جامعة البعث بحمص، واغتيل في سبتمبر 2011.
الدكتور سمير يونس: رئيس قسم الهندسة الحيوية في كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية بجامعة دمشق، واغتيل في ريف دمشق عام 2012.
ولم يقف الحد عند علوم الصواريخ والكيمياء الذرية، بل امتد ليتكامل المخطط في تصفية الكفاءات الطبية والجامعية بهدف شل المنظومة التعليمية والصحية، كاستهداف الدكتور عبد اللطيف حرير رئيس قسم التشريح في كلية الطب بجامعة حلب عام 2012، والدكتور يوسف مصطفى أستاذ الفيزياء في جامعة تشرين.
أدوات الميدان والاختراق الاستخباري: تسلل الموساد عبر “داعش” و”النصرة”
تُشير القراءات التحليلية والتقارير الاستخباراتية التي واكبت سنوات الحرب في سوريا إلى أن تصفية هذه النخب العلمية والعقول العسكرية الاستراتيجية لم تكن مجرد حوادث عشوائية فرضتها فوضى الميدان، بل نُفِّذت عبر خطوط تداخلت فيها الأجندات الإقليمية مع الأدوات المحلية على الأرض. وهنا تبرز آلية التسلل والتوظيف الأمني كأحد أهم الأساليب التي اعتمدها جهاز “الموساد” الإسرائيلي، الذي نجح في اختراق وتوجيه خلايا تابعة لتنظيمات متطرفة مثل “داعش” وجبهة “النصرة” لتكون واجهته التنفيذية.
توجيه الخلايا الميدانية بالوكالة: استفادت أجهزة الاستخبارات الصهيونية من البنية التنظيمية المخترَقة لبعض الفصائل، حيث جرى توجيه خلايا اغتيال تابعة لـ”النصرة” أو “داعش” نحو أهداف جغرافية وعلمية محددة بدقة، مثل تصفية أساتذة الجامعات والمهندسين، تحت غطاء “استهداف الكوادر الحكومية” لتعمية البوصلة وتجهيل الفاعل الحقيقي.
المعلومات الجاهزة والإحداثيات الممررة: في كثير من الحالات، كانت الفصائل المحلية تفتقر تماماً إلى القدرة اللوجستية والتقنية على رصد وتتبع شخصيات علمية وعسكرية رفيعة المستوى وثقيلة الوزن الاستراتيجي. وتشير المعطيات إلى أن “الموساد” كان الطرف الفعلي الذي يوفر البيانات الدقيقة وخلفيات التحرك، مستخدماً عناصر هذه التنظيمات كأدوات تنفيذية على الأرض عبر العبوات اللاصقة أو عمليات الاغتيال المباشر.
إن استهداف الدكتورة زينة صفتلي، وقبلها قوافل العلماء السوريين والعراقيين بتوظيف الجماعات المتطرفة كأذرع تنفيذية غير مباشرة، يثبت بالدليل القاطع أن معركة الوجود التي تخوضها الأمة في مواجهة المشروع الصهيوني ليست معركة عسكرية أو سياسية على الحدود فحسب، بل هي حرب أمنية شعواء على الوعي، المعرفة، والتفوق التكنولوجي. إن تصفية هذه القامات العلمية تشكل فاجعة إنسانية وخسارة استراتيجية فادحة، لكنها في الآن ذاته تؤكد أن العقول في سوريا الطبيعية ستبقى ولّادة، عاصية على الانكسار والتفريغ، وأن دماء العلماء ستظل منارة تضيء طريق التحرر المعرفي والسيادة القومية الشاملة.
د. نبيلة عفيف غصن
