صدمة كفرتبنيت وفيتو جنيف: ترامب يلجم نتنياهو ويلزمه بوقف النار
حسن حردان
يمرّ المشهد الإقليمي بلحظة بالغة الحساسية والتعقيد؛ فالإعلان عن مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية بوساطة باكستانية لإنهاء الحرب، فجّر أزمة صامتة علنية بين واشنطن و”تل أبيب”. وجاء التصعيد العسكري “الإسرائيلي” العنيف الأخير في جنوب لبنان ليمثل الساحة المباشرة التي تترجم هذا التباين الحادّ في الاستراتيجيات والمصالح، قبل أن تتدخل واشنطن بضغوط قصوى لفرض وقف إطلاق نار جديد دخل حيّز التنفيذ مساء أمس.
من خلال القراءة التحليلية يمكن قراءة مشهد التصعيد، ودلالات الاتفاق الجديد، وكيفية تصرف ترامب مع محاولات نتنياهو للتخريب، على النحو الآتي:
أولاً: أهداف التصعيد “الإسرائيلي”
(كمين كفرتبنيت)
قبل الرضوخ لضغط ترامب الأخير، سعى نتنياهو عبر تصعيد اعتداءاته وقصفه العنيف للبلدات والقرى الجنوبية إلى تحقيق أهداف استباقية. إلا أنّ هذا الجنون العدواني المفرط والتمهيد الناري الكثيف فسّرته التطورات الميدانية الصادمة التي تلقاها جيش الاحتلال ليل الخميس؛ حيث تبيّن أنّ المقاومة نجحت في قتل 9 جنود صهاينة من قوات الكوماندوز والنخبة داخل دباباتهم، وبينهم ضابط رفيع (قائد كتيبة مدرعة)، في حدثين منفصلين ومحكمين جراء محاولة تقدّم “إسرائيلية” في منطقة كفرتبنيت وتلال “علي الطاهر”.
هذه الضربة النوعية من قبل المقاومة، التي استهدفت الآليات الصهيونية المتقدمة بصواريخ موجهة وكمائن ذكية، دفعت جيش الاحتلال إلى فتح تحقيق عاجل وسط حالة من الصدمة والذهول في الشارع “الإسرائيلي”، ما جعل نتنياهو يحاول التغطية على الفشل العسكري والنزيف البشري عبر تصعيد غاراته الجوية الهستيرية قبل سريان الاتفاق بهدف:
فرض وقائع ميدانية مسبقة: حاولت “إسرائيل” توسيع فرض سيطرتها على “المنطقة الأمنية” (بعمق 10 كيلومترات في الجنوب) كأمر واقع قبل تثبيت أيّ اتفاق نهائي.
تخريب مسار جنيف وإحراج واشنطن: سعى اليمين “الإسرائيلي” الحاكم لتوجيه ضربة استباقية لمذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية، لإظهار أنّ الاتفاق يتغافل عن الاحتياجات الأمنية “الإسرائيلية” المباشرة ولا يحمي المستوطنات الشمالية.
ثانياً: شروط طهران
ومعضلة تأجيل جنيف
يرتبط التطور الميداني الأخير مباشرة بالهندسة التفاوضية لإيران؛ حيث علّقت طهران إرسال وفدها إلى جنيف لبدء المفاوضات الفنية والنووية الموسعة مع الجانب الأميركي، واشترطت بوضوح “إلزام إسرائيل بوقف حربها على لبنان” كشرط أساسي لبدء المباشرة بالمسار التفاوضي في جنيف.
هذا الربط الإيراني الذكي والحازم وضَع إدارة ترامب أمام خيارين: إما السماح لنتنياهو بإغراق المنطقة في حرب استنزاف تطيح باتفاق التفاهم، وما يعنيه من عودة إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط وتفاقم أزمة الاقتصاد العالمي، أو التدخل بـ “هراوة” الضغط الاقتصادي والسياسي لإجبار تل أبيب على الانصياع، وهو ما حدث بالفعل عبر الإعلان عن التزام الطرفين بوقف إطلاق النار.
ثالثاً: دلالات
التطور الأخير وبند السيطرة
انّ اتفاق وقف النار الجديد يعكس دلالات استراتيجية واضحة:
انتصار المقاربة البراغماتية لترامب: أثبت ترامب لنتنياهو أنّ “ساعة الصفقات الكبرى” قد دقت، وأنّ واشنطن لن تسمح للحسابات السياسية الداخلية في تل أبيب بإفساد الاتفاق الاستراتيجي الأشمل مع إيران.
إقرار “إسرائيلي” بحدود القوة: إعلان مسؤول أميركي أنّ نتنياهو وافق “بنسبة 100%” على تجديد وقف النار، واشتراط تل أبيب بأنها “ستلتزم طالما لم يهاجمها حزب الله”، يعكس نجاح الضغط الأميركي في كبح جماح الاندفاعة “الإسرائيلية” التي واجهت أيضاً مقاومة ميدانية شرسة في الجنوب تسبّبت بخسائر بشرية فادحة في صفوف جيش الاحتلال “الإسرائيلي”.
حزب الله بالمرصاد: إعلان الحزب التزامه الفوري بوقف النار فور صدور القرار، مع تأكيده أنه سيبقى بالمرصاد لأيّ توغل، يثبت قدرته الإقليمية على المناورة وربط الجبهات، مستنداً إلى ظهير تفاوضي صلب في طهران.
خلاصة القول: نجح ترامب في إجبار نتنياهو على وقف النار لمنع انهيار صفقته مع إيران، محققاً الشرط الإيراني لبدء مسار جنيف. ومع ذلك، تبقى الساعات المقبلة اختباراً حقيقياً؛ فالتاريخ يعلّمنا أنّ نتنياهو قد يبحث عن أيّ ثغرة ميدانية او ذريعة لاستئناف إطلاق النار على الاتفاق، بينما تملك إدارة ترامب هذه المرة أوراق ضغط حاسمة ستمارسها بلا تردّد لحماية الاتفاق الذي وقعته مع إيران باعتباره السبيل لمنع انفجار الحرب الشاملة ودخول الاقتصاد العالمي في ازمة ركود قاتلة…
