نذير محمد-تونس

فكيف أرثيكَ يا من سماؤه لا تغيمُ ؟وهل سيكفي كلامٌ وكلُّ قولٍ عقيمُ؟”

كم هي عاجزة حروفي.. كيف أرثيك وأنعاك وأنا لا أجد في الفجيعة فنون النعي؟كيف أنعاك يا أخي الكبير، وأنت الذي رحلت شاباً غض العمر، صغيراً في سنواتك، لكنك كبيرا في المقام و الحكمة، كبيراً في عيني وقلبي؟

كيف أنعى من كان معي في السراء والضراء؟ من شاطرني عتمة الطريق وأحلك الظروف رغم المسافات والكيلومترات التي تفصلنا، في زمن خذلني فيه أقرب الناس إلي فكنت أنت الأقرب لروحي؟كيف أنعى من كان يشحذ همتي، ويدفعني لأجتاز كل تحد صعب خاصة تلك الأيام المرهقة في دورات المراقبة في الجامعة رغم تعاسة الظروف الموضوعية التي كان يمر بها بلدك الجريح؟كيف أنعى من كنت أستبق الخطى لأبشره بنتائج الثانوية العامة، ونجاحات السنوات الأولى من الجامعة؟ كيف رحلت يا أخي الكبير.. كيف؟

لمن لا يعرف مرير فقدي، لقد تعرفت على الراحل الغالي مجتبى سبيتي في عام 2021.. كان حينها يافعاً لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره. جاء التعارف صدفة، لكنها كانت أقداراً ساقت إلي نعمة غالية، ورب ضارة نافعة.

وجدت في مجتبى نفساً مثقفة، روحاً طيبة، خلوقة، وعقلاً حكيماً رغم نعومة أظفاره.ومنذ ذلك الحين، غدونا نقتسم الحديث في الشؤون العامة والخاصة، عبر الرسائل ثم المكالمات. وجدت فيه الأخوة الصادقة النقية، تلك التي بحثت عنها في كل مكان فلم أجدها إلا بين حروفه.كان يمطرني بالنصائح، ويهبني الحكمة والتحفيز، ويجبر خاطري كلما انكسرت.

استمر هذا العطاء حتى بعد عام 2023، إلى حد كنت أخجل فيه من نفسي؛ فالمفروض أن أكون أنا المحفز له نظراً لظروف بلده القاسية، لكن نبله أبى إلا أن يكون هو السند المتين.وإني أشهد أنني لم أسمع منه كلمة سوء واحدة طوال نصف العقد الذي جمعنا

كنت أرسم في مخيلتي خططاً لزيارة لبنان، وزيارته سبب من اسباب أن أصافح هذا الوجه النقي.. لكن المنية استبقتني، ولن يحدث هذا اللقاء في دنيانا….

انقطع التواصل معه منذ قرابة أربعة أشهر.. حرت وتاهت بي الظنون، كنت أنسج في مخيلتي سيناريوهات عدة، وتشبثت بأطراف التفاؤل لعله بخير وغير متاح لكن الحقيقة المرة صفعتني، وكان السيناريو الأسوأ هو المكتوب.

لم أكن أعرف عن تفاصيل حياته الكثير، سوى أنه طالب يحمل بين جنباته طموحاً ينطح السحاب.سأشتاق إليك يا عزيزي، يا صديقي، ويا أخي الكبير الذي لم تلدْه أمي. لم تتح لي الفرصة لأملأ عيني من رؤيتك هنا.. فأتمنى من ألتقيك في عالم أجمل، أنقى، وأفضل….

أرضيت يا رب؟ خذ حتى ترضى..