منذ منتصف القرن العشرين، قامت الاستراتيجية الأمريكية الكبرى على مبدأ ثابت: منع ظهور أي قوة قادرة على كسر الهيمنة الغربية على النظام الدولي. لم يتحقق ذلك عبر الحروب المباشرة وحدها، بل عبر بناء أحزمة احتواء، ومناطق نفوذ، وكيانات سياسية أو عسكرية تُستخدم لاستنزاف الخصوم ومنع اكتمال سيادتهم الوطنية.في الصين، دعمت واشنطن حكومة تشانغ كاي شيك ضد قوات ماو تسي تونغ خلال الحرب الأهلية.

وبعد انتصار الثورة الصينية عام 1949 وإعلان جمهورية الصين الشعبية، رفضت الولايات المتحدة الاعتراف ببكين لسنوات طويلة، وواصلت اعتبار حكومة تايوان الممثل “الشرعي” للصين، بل منحتها مقعد الصين في الأمم المتحدة حتى عام 1971.

لم يكن ذلك مجرد خلاف دبلوماسي، بل جزءاً من مشروع أمريكي واسع هدفه تطويق الصين ومنع تحولها إلى قطب حضاري وسياسي مستقل قادر على تهديد الهيمنة الغربية في آسيا والعالم.من هنا يمكن فهم الطريقة التي أُديرت بها أزمات الشرق الأوسط لاحقاً، وفي مقدمتها الحرب على سوريا. فالهدف الأمريكي لم يكن بالضرورة تقسيم سوريا رسمياً على الخرائط، بل منع عودتها دولة موحدة مستقرة ذات قرار سياسي مستقل خارج المنظومة الغربية.

لذلك ظهرت أدوات متعددة ومتوازية: العقوبات الاقتصادية الخانقة، الحصار المالي، إدارة الصراعات الداخلية، استخدام الجماعات المسلحة كأدوات استنزاف، وتحويل الجغرافيا السورية إلى ساحة اشتباك دائم بين القوى الإقليمية والدولية.وفي هذا السياق يمكن فهم إدلب بوصفها “منطقة وظيفية” شبيهة، من حيث الدور السياسي، بما مثلته تايوان في الاستراتيجية الأمريكية تجاه الصين.

فكما استخدمت واشنطن تايوان لعقود كورقة ضغط على بكين وكمنصة متقدمة لاحتواء الصين، تحولت إدلب إلى منطقة خارجة عن سلطة الدولة السورية، تُستخدم لاستنزاف دمشق ومنع استعادة السيادة الكاملة على الأرض السورية.لكن التشبيه هنا سياسي واستراتيجي، لا حرفي أو قانوني؛

فتايوان تمتلك بنية دولة واقتصاداً ومؤسسات، بينما كانت إدلب ساحة نفوذ لفصائل مسلحة وتنظيمات متشددة ارتبط وجودها بالدعم الخارجي والتوازنات الإقليمية.وفي قلب هذا المشهد برز الدور التركي بوصفه أحد أخطر عناصر الصراع السوري. فأنقرة لم تتدخل بوصفها “وسيطاً”، بل باعتبارها قوة تسعى إلى فرض نفوذ طويل الأمد داخل الشمال السوري، مستخدمة الفصائل المسلحة، والاختراق الأمني، والهيمنة الاقتصادية والإدارية، لتحقيق مشروع جيوسياسي يتجاوز مجرد “حماية الحدود”.ولا يمكن فهم صعود الجولاني وتحول تنظيمه من جماعة إرهابية متطرفة معزولة إلى سلطة أمر واقع دون فهم طبيعة التفاهمات الإقليمية والدولية التي سمحت بإعادة تدوير هذا المشروع وتقديمه بواجهة سياسية جديدة.مع ذلك، يجب أن تبقى المقارنة بين الصين وسوريا ضمن حدود الواقع التاريخي.

فالصين امتلكت: كتلة بشرية هائلة، ومجالاً جغرافياً واسعاً، وإرثاً حضارياً مركزياً، ثم نجحت في بناء قاعدة صناعية واقتصادية مستقلة مكّنتها من الصمود والتحول إلى قوة عالمية.أما سوريا، فقد واجهت حرباً مركبة استهدفت الدولة والاقتصاد والبنية الاجتماعية في آن واحد.

لكن نقطة التشابه الجوهرية تبقى واضحة: الضغط الخارجي والحصار والعقوبات لم يؤدِّ دائماً إلى إسقاط الدول كما أرادت واشنطن، بل دفع بعض الخصوم إلى البحث عن نماذج أكثر استقلالاً عن النظام الغربي.

اليوم يبدو العالم وكأنه يغادر تدريجياً مرحلة القطب الواحد التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي. الصين تصعد اقتصادياً وتكنولوجياً وعسكرياً بثبات، وروسيا تحاول فرض توازنات جديدة بالقوة، والقوى الإقليمية أصبحت أكثر تمرّداً على الإرادة الأمريكية.

أما الولايات المتحدة، فما زالت القوة الأكبر عالمياً، لكنها لم تعد تمتلك القدرة ذاتها على فرض إرادتها المطلقة كما فعلت في تسعينيات القرن الماضي. لهذا لم يعد السؤال الحقيقي: “هل تسقط أمريكا؟” بل: “هل يستطيع العالم الانتقال إلى نظام متعدد الأقطاب دون انفجارات كبرى وحروب واسعة؟”

وفي قلب هذا التحول العالمي تقف سوريا، لا بوصفها مجرد ساحة حرب داخلية، بل باعتبارها عقدة جيوسياسية تتضارب فيها المشاريع الأمريكية والروسية والتركية والإيرانية والإسرائيلية.ورغم كل ما جرى، فإن الشعوب العريقة لا تُقاس بلحظات الانكسار العابرة.

فسوريا ليست بلداً طارئاً على التاريخ، بل واحدة من أقدم الحواضر الإنسانية والسياسية في العالم، وشعبها الذي واجه الغزوات والإمبراطوريات عبر قرون طويلة لن يُختزل في مرحلة فوضى أو احتلال أو حصار.التاريخ لا يمنح الهيمنة لأحد إلى الأبد، ولا توجد قوة تبقى متربعة على قمة العالم بلا نهاية. والمرحلة التي أعقبت التسعينيات، حيث بدا النفوذ الأمريكي مطلقاً، تتآكل اليوم تدريجياً أمام صعود قوى جديدة، وفي مقدمتها الصين.أما الشرق الأوسط، فيدخل زمناً أكثر اضطراباً وتعقيداً، حيث تتكسر مشاريع كثيرة، وتُعاد صياغة موازين القوى من جديد.

محمود موالدي