لم يكن هوسه بمراقبة تلك القوى العالمية التي تتقاسم بؤس العالم مجرد شغف عابر؛ لقد كان تعذيباً ذاتياً يمارسه بانتظام. كان يلتهم الصحف والتحاليل السياسية كمن يبحث عن ثغرة في جدار القدر، كمن يحاول تفكيك شيفرة هذا الوجود اللعين.. وكل ذلك لأجل ماذا؟ لأجل حلم يبدو لأي عابر تافهاً، لكنه بالنسبة لروحه المحتضرة يُعد معجزة خلاص: أن يجلس بسلام، كإنسان كامل الحق في الوجود، ليمضغ كعكة على درجات باب العامود بالقدس! كان يعلم في أعماقه، وهو يحدق في جدران غرفته الضيقة التي تفوح برائحة الرطوبة واللجوء في مخيمه البائس، أن هذه الغرفة لا تنتظر سوى اللحظة المناسبة لتبتلع وعيه تماماً وتطحن كبرياءه، قبل لقائه بهذه الكعكة الميتافيزيقية.

أبو الأمير_القدس