تشهد جبهة جنوب لبنان منعطفاً تاريخياً في إدارة الصراع العسكري مع الاحتلال الإسرائيلي، حيث لم تعد المعركة تدار بالأدوات التقليدية، بل انتقلت إلى مرحلة كسر الهيبة التكنولوجية وفرض قواعد اشتباك جديدة. العنوان العريض لهذه المرحلة هو نجاح عبقرية “الهندسة العكسية” في تحويل سلاح الكيان وضربه به، مما أحدث إرباكاً واسعاً في أروقة القيادة العسكرية الإسرائيلية.
​1. منظومة “ألماس 3”: المفاجأة الاستراتيجية وصدمة الـ 16 كيلومترًا
​المفاجأة الصادمة التي غيرت موازين القوى تمثلت في دخول منظومة صواريخ “ألماس 3” (Almas 3) إلى أرض المعركة بفاعلية غير مسبوقة.
​هذه المنظومة، القائمة في أصلها التكنولوجي على التقنيات والدروع الذكية للكيان، خضعت لعملية تطوير نوعية قلبت المعادلة رأساً على عقب:
​التطوير المحغلي العكسي: تم تفكيك وإعادة بناء هذه التكنولوجيا المعقدة بأيدي مهندسي المقاومة.
​مضاعفة المدى: في حين أن النسخ القياسية المقابلة لـ “الكورنيت” تقف عند حدود الـ 5 كيلومترات، تمكنت العقول المطورة من مضاعفة المدى ليصل إلى 16 كيلومترًا.
​تدمير العمق العملياتي: هذا المدى الجديد نزع من الاحتلال ميزة المناورة البرية في شريط واسع يمتد إلى عمق مستوطنات ومواقع شمال فلسطين المحتلة، محولاً آلياته المحصنة إلى أهداف ساقطة عسكرياً.
​2. مواصفات “قاتل الدروع”: معادلة “اضرب وانسَ” بنسبة نجاح 90%
​على الصعيد التقني، لا يمثل صاروخ “ألماس 3” مجرد مقذوف تقليدي، بل هو منظومة ذكية متكاملة تمتلك خصائص تدميرية فائقة:
​”الصاروخ مزود بأنظمة تتبع وكواشف متطورة للغاية تلاحق الهدف وتصحح مسارها آلياً، محققة نسبة إصابة مباشرة حتمية تصل إلى 90% (وفق آلية اضرب وانسَ).”
​وبما أن الأهداف البرية مثل الدبابات والمدرعات والآليات الهندسية وقوافل التموين تتحرك ببطء نسبياً، فإن قدرتها على الهروب أو القيام بمناورات دفاعية تصبح شبه معدومة، مما يفسر حجم الخسائر الفادحة التي سُجلت مؤخراً.
​3. ملحمة الـ 4 ساعات: النخبة الإسرائيلية في “محرقة” حقيقية
​تتجلى هذه القوة الصاروخية والخطط التكتيكية في رصد المواجهات المباشرة؛ حيث شهدت الجبهة معركة ضارية استمرت لأربع ساعات متواصلة، واجهت فيها المجموعات الصدامية للمقاومة (مجموعات الرضوان والدفاع الصاروخي) أجزاءً من ثلاث فرق عسكرية إسرائيلية تعد من نخبة جيش الاحتلال (من بينها الفرقتان 36 و146، وإسناد من الفرقة 91).
​رغم الغطاء الجوي العنيف والقصف المدفعي المكثف الذي حوّل خطوط التماس إلى قطعة من نار لتأمين تقدم القوات الصهيونية، كانت النتيجة فشلاً تكتيكياً ذريعاً:
​عجزت قوات النخبة الإسرائيلية عن تحقيق أي اختراق حقيقي وتجمدت عند أمتار معدودة.
​وقعت القوات المهاجمة في كمائن استنزاف ومحرقة دروع شلت حركتها بالكامل.
​جرت المعركة في قطاع ضيق وعمق يتراوح بين 15 إلى 20 كيلومتراً، وهو ما يُعد في العلوم العسكرية انتحاراً برياً وفشلاً ذريعاً لجيش يمتلك تفوقاً جوياً مطلقاً.
​4. ارتدادات الزلزال: تراجع نبرة التهديد والتعتيم الشامل
.١ ​كسر العظام تكنولوجياً: تعرض الجيش الإسرائيلي لعملية “كسر ظهر” معنوية، حيث جُبهت دباباته وتقنياته التي يبلغ مدى تأثيرها 3 كم، بسلاحه هو بعد تطويره ليصل مدماه إلى 16 كم.
.٢ ​جدار التعتيم: فرضت الرقابة العسكرية الإسرائيلية تعتيماً صارماً وغير مسبوق على مجريات هذه المعارك وحجم الخسائر البرية لمنع انهيار الروح المعنوية في الجبهة الداخلية.
.٣ ​انخفاض لغة التهديد: تلاشت نبرة التهديد العالي والوعيد باجتياح الجنوب التي دأب عليها قادة الكيان، وحلت مكانها حالة من الترقب والحذر، لإدراكهم العميق بأن قواعد اللعبة قد تغيرت كلياً، وأن المفاجآت البرية القادمة قد تكون أكثر إيلاماً وتدميراً.
د. نبيلة عفيف غصن