​إذا كان ملف “المرتزقة السوريين” يتوزع على قوى دولية متعددة، فإن النموذج التركي يظل الأكثر مأسسة، وتنظيماً، وعمقاً من الناحية الهيكلية والجيوسياسية [1]. لم تكتفِ أنقرة باستخدام فصائل “الجيش الوطني السوري” (SNA) كقوة محلية بالوكالة لحماية حدودها الجنوبية، بل حوّلت هذه البنية العسكرية إلى “خزان بشري” استراتيجي، يُعاد تدويره وتوظيفه كأداة مرنة للسياسة الخارجية التركية في مناطق النفوذ الملتهبة حول العالم [2].
​أولاً: الثالوث التنظيمي.. كيف تُدار منظومة التجنيد؟
​لا تتم عمليات التجنيد التركية بشكل عشوائي، بل تخضع لآلية شديدة التنظيم تعتمد على ثلاثة أركان رئيسية:
​الغطاء الأمني والاستخباري (الاستخبارات التركية): تشرف الأجهزة السيادية التركية على هندسة العمليات اللوجستية، وتسهيل عبور المقاتلين عبر المنافذ الحدودية الرسمية (مثل معبر حوار كلس) ونقلهم باستخدام حافلات وطائرات عسكرية تابعة للجيش التركي [3].
​الذراع التنفيذي الخاص (شركة سادات – SADAT): تلعب شركة “سادات” للاستشارات الدفاعية الدولية (التي تُوصف غالباً بأنها “فاغنر التركية”) الدور المحوري في صياغة العقود، الإشراف على معسكرات التدريب (في مناطق مثل عفرين أو داخل تركيا)، وإدارة الجوانب المالية واللوجستية في دول المقصد [4].
​الوسطاء المحليون (أمراء الحرب): يعتمد الأتراك على قادة فصائل سورية تدين بالولاء المطلق لأنقرة، وأبرزهم:
​فهيم عيسى (قائد فرقة السلطان مراد التركمانية).
​محمد الجاسم “أبو عمشة” (قائد فرقة السلطان سليمان شاه).
​سيف بولاد “أبو بكر” (قائد فرقة الحمزة). هؤلاء القادة يمثلون “سماسرة الدم” الذين يجمعون القوائم، ويقتطعون نسباً مئوية (إتاوات) من رواتب المقاتلين لحسابهم الخاص [5].
​توسعت الخريطة العملياتية للمقاتلين السوريين التابعين لتركيا لتشمل ثلاثة مسارح رئيسية صعدت تدريجياً:
​1. غرب ليبيا (2020 – مستمر)
​كانت البداية الفعلية لإنقاذ حكومة الوفاق الوطني في طرابلس ضد قوات شرق ليبيا [6]. نقلت تركيا آلاف المقاتلين السوريين الذين خاضوا معارك مدن شرسة. ورغم هدوء الجبهات لاحقاً، تواصل تركيا الاحتفاظ بآلاف المقاتلين هناك ضمن عقود “رباط وحراسة” داخل القواعد العسكرية (مثل قاعدة الوطية)، لتظل ليبيا بمثابة محطة ترانزيت لوجستية متقدمة [7].
​2. إقليم ناغورنو كاراباخ (أواخر 2020)
​أقحمت أنقرة مئات المقاتلين السوريين لدعم حليفتها أذربيجان ضد أرمينيا [8]. في هذه المواجهة، تم استخدام السوريين كـ “موجات بشرية أولى” لاقتحام التضاريس الجبلية الوعرة وتحت وطأة القصف المدفعي والجوي الكثيف، مما أدى إلى مقتل المئات منهم في فترة وجيزة، في مهمة انتهت بتحقيق الهدف الجيوسياسي لتركيا في القوقاز [9].
​3. النيجر ودول الساحل الأفريقي (المحطة الأحدث)
​مع الانقلابات العسكرية المتتالية في منطقة الساحل الأفريقي (النيجر، مالي، بوركينا فاسو) وطرد القوات الفرنسية والأمريكية، تحركت أنقرة لملء الفراغ مستغلةً اتفاقيات التعاون العسكري الموقعة سابقاً ومبيعات مسيراتها (بيرقدار) [10].
​طبيعة المهمة: عقود مدتها 6 أشهر تحت مسمى “شركات أمنية خاصة” لحماية مصالح تركيّة، مناجم ذهب، ومنشآت نفطية، بالإضافة إلى إقحامهم في حفر خنادق وخطوط تماس لمواجهة جماعات متشددة مثل “بوكو حرام” وتنظيم “الدولة الإسلامية” [11].
​الخسائر المكتومة: رغم التعتيم الإعلامي الصارم وسحب الهواتف المحمولة من المقاتلين قبل إقلاعهم من مطار غازي عنتاب، تواترت الأنباء والتقارير الحقوقية عن مقتل عشرات الشبان السوريين هناك في كمائن ألغام وهجمات مباغتة في الأدغال الأفريقية [12].
​ثالثاً: الديناميكية المالية.. بورصة “رواتب الموت”
​تتحكم الفوارق المالية الشاسعة بين ما يتقاضاه المقاتل داخل الأراضي السورية وما يُعرض عليه في الخارج في توجيه رغبات الشبان نحو هذه المحارق، حيث تظهر المقارنة بوضوح حجم الاستغلال الاقتصادي:
​في داخل الشمال السوري: يبلغ متوسط الراتب الشهري للمقاتل ما بين 40 إلى 50 دولاراً أمريكياً فقط. ويترافق هذا الدخل الزهيد مع بيئة طاردة تتميز بالفقر المدقع، والغلاء المعيشي الفاحش، والغياب التام لفرص العمل البديلة أو العيش الكريم، مما يجعل البقاء هناك شبه مستحيل.
​عند الانتقال إلى جبهات القتال في ليبيا: فيرتفع متوسط الراتب الشهري ليصبح ما بين 1000 إلى 1500 دولار أمريكي [13]. وتعتبر طبيعة المهام هناك أقل خطورة في الوقت الراهن، حيث تتركز حول حراسة المنشآت والرباط في القواعد العسكرية المستقرة نسبياً بعد توقف العمليات الهجومية الكبرى.
​في أدغال النيجر والقارة الأفريقية: يصل الأمر إلى ذروته؛ حيث يتراوح الراتب الشهري للمقاتل السوري بين 1500 إلى 2500 دولار أمريكي [14]. ورغم إغراء هذا المبلغ، إلا أن الشبان يواجهون هناك مخاطر أمنية وبيئية عالية جداً، تشمل الأوبئة والأمراض المدارية الفتاكة، والكمائن المباغتة، وحقول الألغام التي تزرعها الجماعات المتطرفة، مضافاً إليها وعود غير مضمونة بتقديم تعويضات وفاة لعائلاتهم تصل إلى 30 ألف دولار في حال مقتلهم [15].
​رابعاً: الأبعاد الاستراتيجية للنهج التركي
​تستفيد الدولة التركية من هذه الاستراتيجية على عدة صُعد:
​القتال بلا ثمن سياسي داخلي: إرسال جنود أتراك إلى جبهات أفريقيا أو ليبيا يترتب عليه ضغوط سياسية من المعارضة التركية وغضب شعبي في حال سقوط قتلى. بدلاً من ذلك، يوفر المقاتل السوري بديلاً رخيصاً؛ “مقتله لا يهز البرلمان التركي ولا يثير الرأي العام” [16].
​أداة ضغط ودبلوماسية خشنة: تحولت هذه القوات العابرة للحدود إلى أوراق تفاوض قوية بيد أنقرة في ملفات معقدة أمام القوى العظمى (مثل روسيا في أفريقيا وليبيا، والغرب في ملفات الأمن الإقليمي).
​إعادة صياغة “الجيش الوطني”: عبر دمج الفصائل وتفكيك بعضها وسوق أفرادها للخارج، تضمن أنقرة إبقاء البنية العسكرية المتبقية في الشمال السوري تحت السيطرة التامة، كأدوات وظيفية منزوعة القرار الأيديولوجي أو الوطني المستقل [17].
​الخلاصة
​نجحت الهندسة التركية في تحويل المأساة الإنسانية السورية إلى مشروع تجاري-عسكري مدبّر. فبينما يعتقد الشاب السوري المخنوق اقتصادياً أنه يشتري مستقبلاً لعائلته بدمه، تشتري أنقرة بهذه الدماء نفوذاً جيوسياسياً يمتد من شواطئ المتوسط إلى عمق القارة الأفريقية.
​لائحة الهوامش والمراجع
.١ ​المرصد السوري لحقوق الإنسان (2021). تقرير استقصائي حول مأسسة الفصائل الموالية لتركيا وتحويلها لأدوات إقليمية. لندن.
.٢ ​مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة (2021). تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالجمهورية العربية السورية (A/HRC/46/54)، جنيف، ممارسات التجنيد خارج الحدود.
.٣ ​منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” (2020). تفاصيل نقل المقاتلين السوريين عبر الحدود التركية إلى جبهات القتال الخارجية، تقرير حقوقي موثق، ص 12-14.
.٤ ​مركز بايرام للدراسات الاستراتيجية (2022). الشركات الأمنية الخاصة والسياسة الخارجية التركية: شركة SADAT نموذجاً. إسطنبول.
.٩ ​مركز الإمارات للسياسات (2021). الدور التركي في حرب القوقاز الثانية: التكتيكات والنتائج الجيوسياسية. أبوظبي.
.١٠ ​المرصد السوري لحقوق الإنسان (مايو 2024). تقرير توثيقي حول بدء نقل مقاتلي “الجيش الوطني” إلى النيجر، متاح عبر الأرشيف الرقمي للمرصد.
.١١ ​منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” (أغسطس 2024). النيجر: المحطة الجديدة للمرتزقة السوريين برعاية شركات أمنية تركيّة.
.١٢ ​وكالة رويترز الأنباء (2024). تحقيق خاص: مقتل مقاتلين سوريين في النيجر يكشف تمدد شبكات التجنيد التركية في أفريقيا.
.١٣ ​مركز جسور للدراسات (2022). الواقع الاقتصادي لشمال سوريا وتأثيره على ظاهرة التجنيد الخارجي. غازي عنتاب.
.١٤ ​مؤسسة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان (2024). تجنيد المرتزقة السوريين في أفريقيا: انتهاك للاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة. القاهرة.
.١٥ ​إفادات حية من عائلات المقاتلين (2024). مقابلات أجرتها منصات استقصائية مستقلة في شمال حلب حول وعود الدية والتعويضات.
.١٦ ​مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية (2023). الحسابات السياسية الداخلية لحزب العدالة والتنمية والاعتماد على القوات الوكيلة. القاهرة.
.١٧ ​المؤسسة الأمريكية لأبحاث السياسة العامة (AEI) (2022). تفكيك فصائل الشمال السوري وإعادة بنائها كقوة تابعة بالكامل لتركيا. واشنطن.
د. نبيلة عفيف غصن