لبنان بين الكرامة وثقافة الانتحار؟
تمهيد:
“الحضارات لا تُغتال، بل تنتحر”
أرنولد توينبي
لقد أثبت التاريخ الحضاري، أن الأمم لا تسقط بفعل المعارك العسكرية فحسب، بل قد تسقط أحياناً بالعجز عن التمييز بين الحالة السياسية القائمة، وخديعة الاستسلام. والتاريخ الحديث والمعاصر شهد على العديد من الدول التي دخلت إلى مفاوضات كانت تظن أنها ستجلب الأمان والاستقرار، ليُكتشف بعد قليل من الوقت أنها باعت نفسها وروحها للشيطان وبالمجان.
النموذج اللبناني اليوم، يقف أمام هذا المفترق الخطير جداً، وقطعاً ليس كما يُروج ما بين الحرب (والسلام)، بل ما بين الكرامة الوطنية وثقافة الانتحار.
“الاستعمار لا يكتفي باحتلال الأرض، بل يسعى إلى إقناع الضحية بأن الاستسلام هو العقلانية”
فرانز فانون
لسنوات مضت، انقسم اللبنانيون ضمن فريقين، فريق سُمي “بثقافة الموت” وآخر سُمي “بثقافة الحياة”
أما الفريق الأول، هو الذي حمل فكرة تحرير الأرض من رجس المحتل، ومواجهته. والفريق الثاني رفع شعار الحياد، والاستقرار السياسي-الاقتصادي، بالتالي الابتعاد عن مواجهة المحتل.
لكن المفارقة التاريخية، وكما أثبتت الوقائع، أنَّ هذا الاحتلال لا يمنح الحياة، بل بالعكس يؤخر الموت. وثبت أيضاً أنَّ الشعوب التي تخلت عن عناصر قوتها لم تعرف الازدهار مطلقاً، بل عرفت التبعية والانهيار ثم الموت.
“إذا فسدت معاني العصبية، وصارت الدولة إلى الدعة والترف، كان ذلك مؤذناً بخرابها”
ابن خلدون
الشعب اللبناني اليوم يبدو أنه أصبح أمام سلطة ذهبت أبعد من مجرد انقسام داخلي، لتبني ما يمكن تسميته “بثقافة الانتحار” والانتحار هنا توصيف لحالة وضع الدولة والسير نحو مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع عدوّ لا يزال يقتل ويهجّر ويعتقل، وكأنَّ مسألة الصراع معه لا تعدو كونها صراعاً عقارياً، وليست صراعاً وجودياً كاملاً. فكيف لمثل هذه الدولة أن تقتنع بمفاوضة هذا العدوّ الذي لم ولن يلتزم يوماً بتفاهم أو اتفاق! وأدى ذلك إلى عدم احترامه للقرارات الدولية! واستخدامه الدائم للقوة والبطش والخطط القاتلة!
إنّ أخطر ما في نشر “ثقافة الانتحار” على اعتبارها محاولة إعادة تشكيل الوعي الجمعي اللبناني، عبر افتراض أي رفض للتفاوض أو التطبيع هو بمثابة الانتحار الجماعي، بينما واقع الامر والاحداث التاريخية كلها تثبت عكس ذلك.
فالدول التي دخلت في اتفاقيات أمنية أو سياسية مع (إسرائيل) لم تعرف الاستقرار والامن، وبقيت تعاني من أزمات عميقة. فمثلاً مصر التي وقّعت اتفاقية (كامب دايفيد) لم تستعد دورها التاريخي، وهناك الأردن بالرغم من معاهدة (وادي عربة) ما زال يعيش قلقاً وجودياً، وهنالك النموذج الفلسطيني ومعاهدة (أوسلو) فحدث بلا حرج ونحن نشهد اليوم احتلال جديداً لمناطق الضفة الغربية. ولو ذهبنا باتجاه السودان أيضاً هذا البلد الذي اندفع بسحر ساحر نحو التطبيع وكانت الوعود الاقتصادية لا تحصى فلم يحصد هذا البلد سوى المزيد من الانقسامات والفقر والانهيار الداخلي.
إذاً إنَّ المشكلة الجوهرية مع هذا العدوّ تكمن في مشروعه، فحين يكون مشروع العدوّ قائم على فكرة التوسع والاحتلال ومحو الذاكرة، تصبح مسألة المفاوضات غير المكتملة بعناصر القوة هو نوع من الاستسلام وليس (صناعة السلام!) والجدير بالأهمية أنَّ التاريخ مليء بالشعوب التي خُدعت بكذبة (السلام) من الهنود الحمر في الولايات الشمالية من الولايات المتحدة الأمريكية، إلى شعوب أمريكا اللاتينية وأفريقيا إلى شعوب المناطق العربية، كانت الخديعة تبدأ باللغة الناعمة وكثرة الوعود قبل أن تتحول إلى هيمنة فعلية وكاملة على الأرض وخيراتها.
أما في لبنان، فتبدو الخطورة أكبر، ذلك بسبب الانقسام الداخلي الحاد الحاصل اليوم، وهذا الانقسام يهدد بانفجار داخلي لكنه مؤجل، فمنطق الأمور أنه لا يمكن لأي بلد أن يواجه احتلالاً أو غزواً، فيما مكوناته تتبادل الاتهامات والتهديد والعويل، والتجارب التاريخية كلها أثبتت أنَّ مسألة الوحدة المجتمعية كانت هي أساس التحرير. هناك فيتنام مثلاً، لم يكن باستطاعتها الانتصار لو لم تنجح بتحويل هذا الصراع إلى مسألة وطنية جامعة، نعم، نجحت في أن تتجاوز الانقسامات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، لماذا؟ لأن الفيتناميون فهموا أنَّ الاحتلال الأمريكي راهن على تفكيك المجتمع، قبل أن يراهن على تفوقه العسكري.
أما مأساتنا نحن اليوم، تظهر في أنَّ البعض يريد اقناعنا بأنّ الطريق الوحيد للحياة يجب أن تمر عبر هذا التنازل القاتل أي عبر فقدان عناصر القوة، والهوية، والذاكرة والانتماء، وكما قال السيد المسيح:” ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان” ونحن نقول اليوم أن ليس بالاستثمارات والوعود الاقتصادية يمكن أن نحيا، بل نحن نحيا بالكرامة والعنفوان والأمان والانتماء… ونحن حين نفقد هذه العناصر تتحول الدولة إلى جسم مريض وبلا روح وبلا مستقبل.
إنّ هذه الثقافة الجديدة اليوم أي ثقافة الانتحار الجماعي ترتكز في إقناع اللبنانيين أنّ الاستسلام هو الحكمة، وأنَّ التخلي عن العناصر التي ذكرناه آنفاً هي العقلانية بذاتها، وأنَّ السكوت عن الاحتلال هو الطريق نحو الحرية والسيادة والاستقرار، وهذه هي أخطر عملية تزوير للوعيّ الجماعي يمكن أن تتعرض لها أي دولة، لأنها لا تسلب الأرض والحقوق فحسب، بل تسلب الذاكرة والانتماء والتاريخ، والقدرة لاحقاً على المقاومة.
لبنان اليوم يحتاج إلى مشروع وطني جامع يعترف بحق شعبه في العيش بكرامة واستقرار وأمن وأن يقطع الطريق على الابتزاز (الإسرائيلي). المسألة اليوم لم تعد مسألة حزب أو مذهب أو حتى محور سياسي، بل أصبحت مسألة شعب يرفض الانتحار الجماعي.
في النهاية لا بد من التأكيد، أن أخطر أنواع انهيار الأوطان ليس الهزيمة نتيجة معركة أو حرب، بل أنّ تُقنع نقسك بأنّ الاستسلام هو الطريق الوحيد للحياة، وعندما تصل الشعوب إلى هذه المرحلة يصبح الاحتلال العسكري أقل خطراً من انهيار الوعي ذاته.

