في ذكرى النكبة: إنجازات، غياب سوريا، والنكبات…

منذ اللحظة الأولى للنكبة عام 1948، لم تكن سوريا متفرّجاً. شارك الجيش العربي السوري في معارك تحرير فلسطين، واحتضنت دمشق اللاجئين، وفتحت مؤسساتها السياسية والإعلامية لتصبح منبراً للمقاومة.

لاحقاً، دفعت سوريا ثمن هذا الموقف. دعمها للحراك المقاوم في فلسطين ولبنان والعراق لم يكن خطاباً إنشائياً. كان دعماً مادياً وسياسياً، وتحملت بسببه عقوباتٍ وحصاراً وحروباً مباشرة على أرضها. وما حصل لسوريا بعد 2011 وصولاً إلى سقوط مفهوم الدولة في 2024 لا يمكن فهمه خارج سياق معاقبة الدور القومي الذي رفضت التخلي عنه. سوريا دفعت الثمن لأنها اعتبرت أن أمن دمشق يبدأ من يافا وحيفا، لا من حدودها فقط.

النكبة لم تتوقف عند 15 أيار 1948. هي مشروع مستمر لمحو الذاكرة وتفكيك الهوية.
المعركة اليوم ليست على الأرض فقط، بل على من يملك الرواية. وهناك محاولة دائمة لتشويه الموقف الوطني، لتصوير المقاومة إرهاباً، ولجعل التطبيع خياراً “عقلانياً”.

في هذا الصراع، من يفقد ذاكرته يفقد بوصلة معركته. والشعوب التي تُنسِي شهداءها تُعاد هزيمتها كل يوم.

إن النكبة الكبرى ليست الاحتلال فقط، بل أن يتحول المحتل إلى “شريك سلام” في عقول بعض النخب.
فقدان الوعي القومي هو الأرضية التي يُبنى عليها التطبيع. وعندما تتحول القضية من قضية تحرير إلى ملف إنساني أو اقتصادي، تصبح الخيانة وجهة نظر.
نكبة الوعي أخطر من نكبة الأرض، لأن الأرض تُسترد بالوعي، أما إذا مات الوعي فلا يبقى ما يُسترد.

واليوم فلسطين محاصرة مرتين: مرة بجيش الاحتلال، ومرة بصمت وتواطؤ الأنظمة العربية.
إن العمالة السياسية والاقتصادية حوّلت الموقف العربي من داعم إلى متفرج، وأحياناً إلى شريك في الحصار.
والأخطر أن الخطاب القومي نفسه تجمّد. توقف عند شعارات السبعينيات ولم يقدم مشروعاً يجيب على أسئلة الجيل الجديد: ماذا بعد؟ كيف نقاوم اقتصادياً وثقافياً وإعلامياً؟

فلسطين لا تحتاج بيانات تعزية، بل تحتاج مشروعاً قومياً حياً يربط بين الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية.

في ذكرى النكبة، لا نستذكر المأساة لكي نبكي. نستذكرها لكي نفهم لماذا سقطت أجيال، ولماذا صمدت أخرى. وأبطال الجنوب اللبناني اليوم يمثلون الجيل الصامد الرافض للنكبات.

إنجاز سوريا كان أنها لم تُساوم على الثابت، وغيابها اليوم عن المشهد الرسمي العربي هو بحد ذاته شاهد على ثمن الموقف.
النكبات تتوالى عندما يغيب الوعي، وتتراجع عندما تعود الذاكرة حيّة. وفلسطين لا تُحرر بخطاب جامد ولا بيدٍ مرتعشة، بل بمشروع قومي يعرف عدوه ويعرف طريقه.

المنسق العام لحزب التحرر الوطني #سوريا
#محمود_موالدي