المسافة بين القصر الجمهوري والضاحية الجنوبية لا تحتاج أكثر من دقائق بالسيارة.
صوت الانفجار يصل بلا تأخير.
الدخان يُرى من النوافذ.
ورائحة الحرب تعبر كل الحواجز والطوائف والخطب الرسمية.
لكن يبدو أن بعض الحكّام في هذا البلد فقدوا القدرة على سماع وطنهم.
الضاحية تُقصف، بيروت تُنتهك، والسيادة اللبنانية تُداس تحت جنازير الطائرات المعادية، فيما رأس الدولة مشغول بإصدار بيانات التعاطف مع الإمارات البعيدة آلاف الكيلومترات. هناك يسمع جيداً، وهناك يرتفع صوته سريعاً، وهناك يستيقظ حسّه الإنساني والسياسي فوراً. أما هنا، على أرض لبنان، فالصمت أكثر حضوراً من الدولة نفسها.
أي مهانة هذه؟
أن يصبح وجع اللبنانيين أقل قيمة من حسابات العلاقات العامة مع الخليج.
أن تتحول الرئاسة إلى مكتب مراعاة للمحاور الخارجية، بينما تُترك العاصمة تحت النار بلا موقف يليق بكرامة وطن.
أن يسمع الحاكم انفجاراً في أبو ظبي قبل أن يسمع صراخ أطفاله في بيروت.
هذه ليست زلة سياسية.
هذه فضيحة وطنية كاملة.
فالعدوان على الضاحية ليس عدواناً على حزب أو بيئة أو شارع. العدوان على الضاحية هو عدوان على لبنان كله، ومن يتردد في قول ذلك يسقط عنه حق الحديث باسم الدولة والسيادة والدستور. لأن الدولة التي لا تدافع عن كل أرضها تتحول إلى مجرد شركة إدارة أزمة، لا وطن.
ما يجري اليوم يكشف حقيقة مرة: هناك طبقة سياسية لا ترى في لبنان وطناً نهائياً، بل مجرد منصة للتفاوض مع الخارج. حكّام يعتبرون رضا السفارات أهم من كرامة الشعب، ويحسبون كلماتهم بميزان النفط والدعم الدولي لا بميزان الدم اللبناني النازف تحت القصف.
لقد وصل الانحدار إلى حدّ أن يصبح التضامن مع العواصم البعيدة أسرع من التضامن مع أحياء بيروت نفسها. وكأن الضاحية خارج الخريطة الوطنية، وكأن أبناءها ليسوا لبنانيين إلا عند دفع الضرائب أو المشاركة في الانتخابات أو الموت تحت الركام.
لكن الحقيقة التي يخافونها أن الشعوب ترى جيداً.
ترى من صمت.
وترى من تلعثم.
وترى من اختبأ خلف البيانات الرمادية بينما كانت الطائرات المعادية تمزق سماء العاصمة.
التاريخ لا يرحم هذه اللحظات.
ففي زمن العدوان، الحياد خيانة مقنّعة، والصمت شراكة غير معلنة، والتبرير سقوط أخلاقي كامل. ومن لا يغضب لانتهاك سيادة بلاده لا يحق له أن يتحدث عن الوطنية مهما رفع من أعلام ومهما ألقى من خطابات.
لبنان اليوم لا يحتاج حكّام بروتوكول، بل رجال دولة يعرفون أن كرامة الوطن لا تتجزأ. لا يوجد “عدوان مقبول” لأن المنطقة المستهدفة لا تعجب السلطة. ولا يوجد وطن إذا صار دم الناس يُصنّف وفق الانتماءات السياسية والطائفية.
المسافة بين القصر والضاحية بضعة كيلومترات فقط…
لكن المسافة بين السلطة والشعب أصبحت بحجم الانهيار الوطني كله.
أما العجب الحقيقي، فليس في صمتهم.
العجب أن بعضهم ما زال يظن أن الناس يمكن أن تنسى من سمع انفجارات الخارج… وتجاهل صوت وطنه وهو يحترق.

د.نبيلة عفيف غصن