في شهادةٍ تقطر غضباً ومرارة، يخرج المقدم احتياط إيهاب شليان من قلب المؤسسة التي طالما ادّعت حماية “التعددية” ليكشف ما هو أعمق من مجرد إخفاق سياسي. إنها لحظة انكشاف كاملة: حين يتحول الخطاب إلى قناع، والحماية إلى ادّعاء، والشراكة إلى وسيلة ابتزاز سياسي.
ما قاله شليان ليس مجرد نقد عابر لـ بنيامين نتنياهو، بل هو إعلان سقوط سردية كاملة بُنيت لعقود حول “رعاية المسيحيين” في الأرض المقدسة. سردية استُخدمت في المحافل الدولية، وروّجت لها لوبيات كبرى مثل AIPAC وCUFI، لتقديم صورة مغايرة تماماً للواقع على الأرض.
لكن ماذا يحدث عندما يخرج الصوت من الداخل؟
أولاً: انهيار السردية الرسمية
لسنوات طويلة، رُوّجت فكرة أن المسيحيين يعيشون “ازدهاراً” داخل الكيان. أن هناك حماية للأماكن المقدسة، وأن التعددية الدينية مصانة. لكن الأرقام التي أشار إليها شليان، والواقع الذي يعيشه مسيحيو الناصرة، يكشفان عكس ذلك تماماً.
الانخفاض الحاد في نسبة المسيحيين، والخوف الذي يدفع العائلات إلى الانغلاق أو الهجرة، ليسا ظاهرة طبيعية. بل نتيجة بيئة متآكلة أمنياً واجتماعياً، حيث تغيب الدولة عندما يجب أن تحضر، وتحضر فقط عندما تحتاج إلى صورة إعلامية.
ثانياً: الأمن كأداة انتقائية
حين يتحدث شليان عن “المافيا” و”البروتكشن”، فهو لا يشير فقط إلى ظواهر إجرامية، بل إلى فراغ سلطوي مقصود. فراغ يسمح بتفكك المجتمعات المحلية، ويجعلها أكثر هشاشة، وأكثر قابلية للاستخدام السياسي.
أي “حماية للأماكن المقدسة” هذه، في ظل الاعتداءات المتكررة على الكنائس ورجال الدين في القدس؟
أي “تعايش” هذا، في ظل ممارسات يومية من الإهانة والتحقير؟
ما كشفه شليان يضع الإصبع على جرحٍ حساس: استخدام المسيحيين كجسر نحو الدعم الغربي، لا كشركاء حقيقيين في الداخل.
هذه ليست مجرد رسالة غضب. إنها وثيقة اتهام.
اتهام لسياسة جعلت من الأقليات واجهة، لا شريكاً.
ومن “الحماية” شعاراً، لا واقعاً.
وهي في الوقت نفسه إنذار:
أن التناقض حين يبلغ ذروته، يبدأ بالتفكك من الداخل.
وأن الأصوات التي كانت تُستخدم للترويج، قد تتحول إلى أصوات فضح.
في لحظة كهذه، لا يعود ممكناً ترميم الصورة بالشعارات.
ولا يمكن شراء الصمت بالدعم الخارجي.
لأن الحقيقة، ببساطة، خرجت إلى العلن.
د.نبيلة عفيف غصن
