حين تتحول السياسة من فن الممكن إلى فن تبرير التناقضات.
بقلم:فاتنة علي،لبنان/سوريا الطبيعية
بعد طول غياب عن سوريا العروبة ، عاد البيك وليد جنبلاط إليها فالتقى هو و”الجولاني” الذي خرج علينا بنسخته الجديدة تحت اسم أحمد الشرع، بعد سلسلة من عمليات التجميل السياسية والشكلية. هذا المشهد فتح الباب أمام سيلٍ من الأسئلة المنطقية التي من حق أي إنسان عاقل أن يطرحها: أليس هذا الرجل نفسه من كان يُصنّف إرهابياً في الأمس القريب؟ أليس هو من ارتبط اسمه بأحداث دامية ومجازر في السويداء بحق الدروز؟ أم أن البعض يعاني من ذاكرة قصيرة حدّ التلاشي؟ وهل أصبحت السياسة، التي وُصفت يوماً بأنها فن الممكن، فناً لإسقاط المبادئ والتخلي عنها؟
عقب اللقاء، تسربت معلومات تشير إلى أن الشرع طلب وساطة للتواصل مع إيران، وأنه صرّح بأن سقوط إيران يعني سقوط كل من يعارض الولايات المتحدة وإسرائيل، وأن هذا السيناريو سيُترجم بسقوط عواصم أولها دمشق. كما حملت التسريبات رسائل تطمين مفادها طي صفحة الثأر، وعدم التدخل في الشأن اللبناني، والتغاضي عمّا صدر عن حزب الله في سوريا. ومن هذه النقطة تحديداً، انطلقت موجة من التهليل والتصفيق، بدت وكأنها فرقة تعزف بلا قائد، حيث غاب المنطق وحضر الانجراف.
هنا يبرز التناقض الصارخ: إرهابي الأمس يُقدَّم اليوم كرئيس، وإن كان “غير شرعي”، جاء من خارج السياق الشعبي، ويُوصف بأنه رئيس مرحلة انتقالية في سوريا. لكن، هل من المنطقي أن تمتد هذه المرحلة الانتقالية لخمس سنوات كما يُروّج؟ هل جاء هذا الرئيس عبر انتخابات دستورية حقيقية؟ وهل اختاره الشعب السوري فعلاً؟ أم أنه مدعوم بعوامل خارجية تمنع سقوطه؟ وهل يمكن لعمليات التجميل، مهما بلغت، أن تمحو جوهر الشخصية وتاريخها؟
وإذا كان هذا التحول مقبولاً لدى البعض، فلماذا يُنتقد النظام السابق ويتهم بتزوير الانتخابات أو الوصول عبر الانقلاب؟ دون الدخول في مقارنات مباشرة، لا بد من التذكير بأن سوريا، رغم الفساد، كانت دولة قائمة بذاتها، وشكّلت القلعة الأخيرة التي رفعت راية العروبة، سواء اتفق معها البعض أو اختلف. أما اليوم، فقد أُلقيت في أحضان النفوذ الأمريكي والإسرائيلي، وباتت الانتهاكات في الجنوب السوري واقعاً يومياً. ويكفي الاستماع إلى تصريحات المسؤولين الحاليين، أو حتى إلى قادة الكيان نفسه، لفهم أن الانسحاب من هذه الأراضي ليس مطروحاً، بل إنهم يعتبرون إسقاط النظام السوري إنجازاً استراتيجياً.
المسألة، إذاً، ليست تمجيد أشخاص أو التعلق بعروش، بل تتعلق باستراتيجية مواجهة مشروع يستهدف المنطقة بأكملها. ومع ذلك، نجد من يحتفي بهذه التحولات، ويشيد بـ”فهم اللعبة”، وكأننا أمام قائد استثنائي. لكن، عند التدقيق، يتضح أن الدور التركي كان محورياً في دعم هذه الشخصية وإعادة تقديمها. ومع ذلك، لم تحصل تركيا على ما كانت تطمح إليه، خاصة في الملف الكردي، بل بدأت تُهمّش تدريجياً.
ويظهر ذلك جلياً في قمة قبرص الأخيرة، حيث دُعي كل من سوريا ولبنان ومصر، فيما غُيّبت تركيا عمداً. هذا التفصيل ليس عابراً، بل يعكس محاولة واضحة لعزل تركيا واستمالة سوريا نحو محور آخر، يسعى للسيطرة على موارد استراتيجية، من الغاز إلى المياه. وهنا تتضح الصورة الأوسع، حيث تتقاطع المصالح وتتصارع القوى على حساب استقرار المنطقة.
ما يحدث ليس نتيجة عبقرية سياسية، بل نتيجة إدراك متأخر لخطر وجودي. تركيا، التي كانت لاعباً أساسياً، بدأت تدرك أن وجودها في حلف الناتو لن يحميها، وأن التاريخ لا يرحم من يعارض مصالح القوى الكبرى دون امتلاك أدوات المواجهة. الملف الكردي سيُعاد تفعيله، والمواجهة مع إسرائيل، بشكل مباشر أو عبر الحلفاء، باتت مسألة وقت، والساحة ستكون سوريا بلا شك.
الأخطاء المتراكمة، من سوء التقدير إلى الاكتفاء بالمواقف الرمادية، ستؤدي إلى أثمان باهظة. فالدعم غير المباشر للكيان، رغم الخطابات السياسية، موثق ولا يمكن إنكاره. وهنا نعود إلى القاعدة الأساسية: التقييم يكون على أساس الأفعال، لا الشعارات.
في النهاية، ما نشهده ليس تحولاً نابعاً من وعي أو فطنة، بل نتيجة صدمة الواقع. من ظن أنه قادر على أن يصبح قوة عظمى، أو أن ينافس في ظل وجود الكيان، سيكتشف أن هناك حدوداً لا يُسمح بتجاوزها. تُشجَّع الأحلام أحياناً، لا لتحقيقها، بل لاستخدامها، ثم يُتخلّى عنها أو يُقضى عليها عندما تنتهي الحاجة إليها.
من يغذّي غروره بوهم القوة، سيصحو يوماً ليجد نفسه أول ضحاياها.
