لم يعد ممكناً قراءة ما يجري في العالم بأدوات التحليل التقليدية التي تفصل بين الحرب والسلم، بين الاشتباك والهدوء، بين الانفجار والانفراج. ما يطرحه الدكتور ميخائيل عوض في حلقته على ال YouTube
يتجاوز هذا التقسيم التقليدي، ليضعنا أمام حقيقة أكثر قسوة: نحن لا نعيش مرحلة حروب متقطعة، بل نقيم داخل بنية صراعية دائمة، تُدار بذكاء، وتُمدَّد بوعي، ويُعاد إنتاجها كشرط من شروط بقاء النظام العالمي نفسه.
هذه ليست حرباً لها بداية ونهاية، بل “هندسة صراع” تُستخدم فيها كل الأدوات — العسكرية، الاقتصادية، النفسية، والطاقوية — لإبقاء العالم في حالة اشتباك منخفض الشدة، مرتفع العائد.
هندسة الصراع بدل حسمه
ينطلق عوض من تعريف السياسة كفعل “هندسة مجتمعات”، لا مجرد إدارة سلطة. هذا التحول المفاهيمي يسمح بفهم أعمق لما يجري: القوى الكبرى لم تعد تسعى إلى الانتصار الحاسم، بل إلى إعادة تشكيل البيئات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للخصوم.
الحرب، بهذا المعنى، لم تعد حدثاً منفصلاً، بل أداة ضمن مسار طويل لإعادة إنتاج موازين القوى. لذلك، فإن ما يبدو هدنة ليس خروجاً من الحرب، بل إعادة تموضع داخلها. وما يبدو استقراراً، ليس إلا لحظة تنظيم للإيقاع قبل استئناف الضغط بأشكال أخرى.
العالم اليوم لا “يشهد” حرباً… بل “يُدار” بها.
هذه القراءة لا تتوقف عند البعد الأخلاقي، بل تتجاوزه إلى الاستنتاج السياسي: حين تفقد المنظومة شرعيتها القيمية، تبدأ مرحلة التآكل الداخلي، حتى لو بدت متماسكة ظاهرياً. وهنا تصبح الحروب، paradoxically، وسيلة لإطالة عمر نظام يفقد مبررات وجوده.
لكن المفارقة الأعمق أن هذه الحروب نفسها تُسرّع شروط انهياره، لأن تراكم الأزمات يولّد لحظة تحول نوعي لا يمكن احتواؤها. أي أن النظام الذي يدير الصراع ليبقى، قد يكون في الواقع يسرّع لحظة تجاوزه.
الهدنة كسلاح: إعادة تعريف المعادلة
الفكرة المركزية في طرح عوض تكمن في تفكيك مفهوم الهدنة. فالهدنة ليست نقيض الحرب، بل أحد أشكالها. إنها أداة لإعادة توزيع الضغط، وإعادة ترتيب الأوراق، وإدارة الوقت كعنصر استراتيجي.
بهذا المعنى، يمكن للحرب أن تستمر دون معارك كبرى، وأن يُحافَظ على حالة استنزاف دائم دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. إنها معادلة “حرب بلا حسم… وسلام بلا استقرار”، حيث يُدار التوتر بدل إنهائه.
الزمن هنا يتحول إلى سلاح. كلما طال أمد الصراع، زادت فرص استنزاف الخصوم، وإعادة تشكيل الأسواق، واختبار التحالفات. وفي المقابل، تعجز القوى الصاعدة عن فرض بديل مكتمل، ما يؤدي إلى حالة “تعليق دائم” للصراع.
ضمن هذا السياق، يقدّم عوض قراءة لدور الولايات المتحدة، لا كقوة تبحث عن الحسم، بل كمدير لأزمات يراكم الأرباح من استمرارها. اللاحرب واللاسلم تتحول هنا إلى “صفقة كبرى” تتيح تحقيق مكاسب متعددة دون المخاطرة بحرب شاملة.
في ملف الطاقة مثلاً، لا يُنظر إلى الاضطرابات كخطر، بل كفرصة لإعادة هندسة السوق العالمي. ارتفاع الأسعار، إعادة توجيه الطلب، الضغط على المنافسين — كلها أدوات ضمن استراتيجية “التحكم عبر الاختناق”.
بهذا المعنى، لا تعود الأزمة خللاً في النظام، بل تصبح جزءاً من آلية عمله.
الاختناق البطيء: نموذج الحصار طويل النفس
في الحالة الإيرانية، يبرز نموذج “الاختناق البطيء” كبديل عن الحرب المباشرة. الهدف لم يعد إسقاطاً سريعاً، بل استنزافاً مستمراً يُبقي الخصم في حالة عجز دون انهيار كامل.
هذه الاستراتيجية تعتمد على دمج الحصار الاقتصادي مع ضبط الإيقاع العسكري، بحيث لا ينفجر الصراع بشكل شامل، ولا يُسمح له بالانطفاء. إنها عملية إدارة دقيقة للضغط، تستخدم الزمن كسلاح، والمجتمع كساحة.
تحرر الحرب من الضوابط: ولادة الفوضى المُدارة
يقارن عوض بين عالم كان محكوماً بتوازنات دولية تضبط الحروب، وعالم فقد هذه الضوابط بعد انهيار الثنائية القطبية. في غياب قوة موازِنة، لم تعد هناك حدود واضحة للتصعيد، ولا آليات فعالة لإنهاء الصراعات.
لكن هذه الفوضى ليست عشوائية بالكامل، بل “فوضى مُدارة”، تُستخدم لإبقاء الصراعات ضمن مستوى قابل للاستثمار. الحرب هنا تتحول إلى وظيفة دائمة، لا حالة طارئة.
وهذا ما يفسر استمرار النزاعات لعقود دون حسم، وتحول بعض الجغرافيا إلى ساحات مفتوحة لإعادة إنتاج الصراع.
إعادة رسم الجغرافيا: من البحار إلى البر
ضمن أخطر ما يطرحه عوض، فكرة نقل مركز السيطرة من البحار إلى البر عبر مشاريع طاقة عابرة للقارات. هذه المشاريع لا تعني فقط تغيير طرق النقل، بل إعادة رسم موازين القوى.
التحكم بالمسارات البرية يعني التحكم المباشر بشرايين الاقتصاد العالمي، بعيداً عن المخاطر البحرية. إنه انتقال من دبلوماسية النفوذ إلى هندسة البنية التحتية للهيمنة.
وهنا يصبح الصراع على الجغرافيا صراعاً على المستقبل، لا على الحاضر فقط.
نظام عالمي يتغذى على الصراع
في المحصلة، يقودنا هذا التحليل إلى استنتاج حاسم: العالم لا يتجه نحو إنهاء الحروب، بل نحو إتقان إدارتها. الهدن، الحصار، إعادة تشكيل الأسواق، وتفكيك الجغرافيا، كلها أدوات ضمن نظام يعيد إنتاج نفسه عبر الصراع.
لم يعد النصر لمن يحسم المعركة، بل لمن يتحكم بإيقاعها. ولم تعد القوة في الضربة الأولى، بل في القدرة على الاستمرار.
وهنا يتبدل السؤال الجوهري: ليس متى تنتهي الحرب، بل كيف تُدار.
من لا يدرك هذه القاعدة، سيبقى أسير انتظار لحظة حسم لن تأتي، بينما يُستنزف تدريجياً داخل نظام لا يكافئ الانتصارات السريعة، بل البقاء الطويل.
هذا هو جوهر التحول: من عالم تحكمه الحروب… إلى عالم تحكمه إدارة الحروب.
د.نبيلة عفيف غصن
