حين انقلب الميزان: كيف فرض محور المقاومة معادلات جديدة وأسقط أوهام الهيمنة

فاتنة علي،لبنان/سوريا الطبيعية

«”في لحظةٍ ظنّ فيها المستكبرون أن النار ستلتهم خصومهم، ارتدت ألسنة اللهب إلى خرائطهم، فسقط وهم الهيمنة، وولد من قلب الحصار ميزانٌ جديد لا تصنعه القوة وحدها بل يصنعه الصمود.”»

ما جرى في المنطقة لم يكن حدثًا عابرًا، ولا نتيجة ظرفٍ سياسي مؤقت، بل كان تحوّلًا استراتيجيًا فرضته الوقائع على الأرض، وأعاد رسم موازين القوى بصورة لا يمكن تجاهلها. لقد تمكنت إيران، ومعها حزب الله ومحور المقاومة الممتد من اليمن إلى العراق وصولًا إلى فلسطين، من فرض معادلة جديدة، رغم شراسة المواجهة وضخامة التحديات. هذا ليس خطابًا عاطفيًا أو انحيازًا وجدانيًا، بل قراءة تستند إلى الوقائع والنتائج التي ظهرت تباعًا، وأبرزها الوصول إلى وقف إطلاق نار دون أن تنجح الولايات المتحدة أو “إسرائيل” في تحقيق أي من أهدافهما المعلنة.

لقد دخل وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، لكن سرعان ما شهد خرقًا مباشرًا من قبل العدو الصهيوني عبر استهداف منطقة دبين في جنوب لبنان منذ الدقائق الأولى. وهذا السلوك يكشف بوضوح أن جميع الأطراف كانت معنية بإيقاف الحرب ومنح المنطقة فرصة لالتقاط الأنفاس، باستثناء “إسرائيل” التي لا تجد أمنها إلا في استمرار التوتر وإشعال الجبهات. فكلما وضعت الحطب على نار الحرب ووسّعت رقعتها، شعرت بمزيد من الاطمئنان المؤقت، لأن وجودها قائم على صناعة الأزمات لا على الاستقرار.

ومن هنا، يصبح من الضروري فهم معنى الانتصار الحقيقي الذي تحقق لمحور المقاومة. فالولايات المتحدة و”إسرائيل” دخلتا هذه المواجهة بثلاثة أهداف واضحة: إسقاط النظام الإيراني، وقف مشروع التخصيب النووي، وإشعال الداخل الإيراني لإحداث فوضى داخلية تفضي إلى الانهيار. إلا أن هذه الأهداف الثلاثة سقطت جميعها. لم يسقط النظام الإيراني، ولم يتوقف التخصيب، ولم يشتعل الداخل، بل على العكس تمامًا، خرجت إيران أكثر حضورًا وثباتًا، وخرج معها محور المقاومة وقد فرض نفسه لاعبًا لا يمكن تجاوزه في المعادلات الإقليمية.

إن صمود إيران وصمود المقاومة في لبنان أعادا خلط الأوراق على طاولة العالم، ولم يقتصر الأمر على إفشال مشروع عسكري محدود، بل امتد إلى إسقاط مشروع “إسرائيل” التوسعي. فالمشهد اليوم يوضح أن الكيان الذي كان يحلم بالهيمنة والتمدد، بات منشغلًا بتأمين حدوده والبحث عن مناطق عازلة تحمي وجوده القلق. والفرق شاسع بين من يخطط للتمدد والسيطرة، وبين من أصبح أقصى طموحه منع الانهيار وحماية ما يملك. هذا التحول بحد ذاته يمثل انتصارًا استراتيجيًا عميقًا قلب موازين التفكير السياسي والعسكري في المنطقة.

وعند قراءة المشهد بصورة أشمل، نجد أن دول الطوق المحيطة بـ”إسرائيل” كانت دائمًا هدفًا مباشرًا لمشاريع الإضعاف والتفكيك، سواء عبر الحروب العسكرية أو الحصار الاقتصادي أو ضرب البنية الاجتماعية من الداخل. فسوريا ولبنان والعراق والأردن ومصر، كلها دول تعرضت عبر عقود لمحاولات إنهاك ممنهجة هدفت إلى منع نهوضها وتحويلها إلى ساحات رخوة. وكان السلاح الأخطر الذي استُخدم في هذه المعركة هو الطائفية، باعتبارها المشروع الأنجح صهيو-أميركيًا لتدمير المجتمعات من الداخل، وإشغال الشعوب بصراعاتها الداخلية بدل مواجهة العدو الحقيقي.

ورغم خسارة محور المقاومة للساحة السورية بدرجات متفاوتة، إلا أنه استطاع أن يوجّه ضربة موجعة لمنظومة الهيمنة العالمية عبر امتلاكه القدرة على التأثير في مفاصل استراتيجية حساسة. فقد بات هذا المحور حاضرًا بقوة في زاويتين أساسيتين من مثلث بالغ الأهمية للتجارة والطاقة العالمية: مضيق هرمز وباب المندب، بينما تبقى قناة السويس نقطة ثالثة شديدة الحساسية. هذه الجغرافيا الاستراتيجية جعلت القوى الكبرى تدرك أن الضغط على هذا المحور لم يعد مسألة سهلة، وأن أي مواجهة مفتوحة ستعني اضطرابًا عالميًا واسع النطاق، اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا.

وفي ضوء هذا الفشل العسكري والسياسي، يبدو أن القوى المعادية ستعود إلى السلاح الأكثر فاعلية والأقل كلفة: الفتنة الطائفية. فهذا المشروع هو الوسيلة التي تمكّن الولايات المتحدة و”إسرائيل” من تحقيق أهدافهما دون خوض حروب مباشرة؛ إذ يكفي بث الشقاق داخل المجتمعات حتى تتولى الشعوب تدمير نفسها بنفسها. إنه السلاح الذي يوفر المال والسلاح والجهد، ويمنح القوى الاستعمارية فرصة الجلوس في مقاعد المراقبة حتى تنضج الفوضى وتُقطف ثمارها.

لكن المفارقة الكبرى أن مشاهد الحرب الأخيرة كشفت إمكانية إسقاط هذا المشروع بسهولة متى امتلكت الشعوب وعيها. فقد كانت غزة تُباد أمام العالم، بينما تجاوزت مواقف الشعوب الانقسامات المذهبية والطائفية. فالمناصرون لفلسطين لم يكونوا من طائفة واحدة، بل خرجت أصوات سنية وشيعية ومسيحية وأحرار من مختلف بقاع الأرض يهتفون للحق الفلسطيني.

بل إن الشارع الغربي نفسه، الذي طالما حاول الإعلام توجيهه، خرج في مظاهرات حاشدة يطالب بالحرية لفلسطين ويرفض الحرب الأميركية على إيران. وهذا التحول يكشف أن القضية لم تعد قضية انتماء مذهبي، بل أصبحت قضية حق في مواجهة ظلم.

ومن أبرز المحطات الرمزية أيضًا أن مواقف دينية غربية، وعلى رأسها رأس الكنيسة، سجلت مواقف أخلاقية واضحة ضد المأساة الإنسانية. وهنا يبرز سؤال جوهري: إذا كان جزء من الغرب المسيحي قد بدأ يرى الحقيقة بوضوح، فلماذا لا يزال بعض أبناء الشرق أسرى للرواية الأميركية والصهيونية؟ إن هذه المفارقة تفرض مراجعة فكرية عميقة، لأن معركة الوعي اليوم لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية.

لقد أعلنت إيران بوضوح معادلة جديدة مفادها: لن أخسر وحدي. أي أن استهدافها لن يكون ثمنه محصورًا داخل حدودها، بل سيمتد ليصيب المصالح الأميركية وحلفاءها في المنطقة، ويهدد استقرار العالم بأسره. وهذه المعادلة لم تبقَ في إطار التصريحات، بل تُرجمت عمليًا عبر استهداف المصالح الأميركية في المنطقة، وعبر التمسك بوحدة الساحات ودعم الحلفاء في لبنان واليمن والعراق وفلسطين. وهنا بالتحديد ظهر التغيير الحقيقي في ميزان القوى: لم تعد الهيمنة الغربية قادرة على فرض شروطها بلا ثمن، ولم تعد “إسرائيل” قادرة على إدارة الصراع كما تشاء.

إن الصورة باتت واضحة لمن أراد أن يراها: النظام الإمبريالي الذي وضع ميزانًا مختلًا لصالحه، اهتزّ تحت وقع صمود إيران ومحور المقاومة. وما حدث لم يكن مجرد انتصار عسكري أو سياسي، بل كان إعادة تعريف لمعنى القوة والردع والكرامة. فحين يفرض المظلوم كلفة على الظالم، ويجبر المعتدي على التراجع عن أهدافه، يكون ميزان جديد قد وُلد، ميزان أكثر عدلًا وإنسانية.

إن المعركة المقبلة لن تكون فقط على الأرض، بل على الوعي. فإما أن تدرك الشعوب أن وحدتها هي السلاح الأقوى في مواجهة مشاريع التفكيك، وإما أن تعود لتسقط في فخ الانقسامات التي طالما استُخدمت لضربها. وما أثبتته هذه المرحلة أن الصمود قادر على كسر المشاريع الكبرى، وأن الوعي قادر على هزيمة أخطر الأسلحة: سلاح الفتنة.

وما بين سقوط أوهام الهيمنة وولادة موازين جديدة، تقف الشعوب اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة: إما أن تصنع مستقبلها بوحدتها ووعيها، أو تترك أعداءها يرسمونه لها بالنار والانقسام.