“قانون هرمز”… إعادة تعريف السيادة البحرية في زمن الفوضى الدولية
رسول حسين أبو السبح _العراق
في لحظة دولية مضطربة تتشابك فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات الجيوسياسية، يبرز ما يُعرف بـ”قانون هرمز” بوصفه خطوة سيادية جريئة لم تطرح من قبل لإعادة تنظيم أحد أهم الشرايين الحيوية في العالم.
ليس هذا التشريع مجرد إجراء مالي لفرض رسوم على الملاحة، كما يحاول البعض تبسيطه أو تشويهه، بل هو تعبير عميق عن حق الدول الساحلية في إدارة مواردها الاستراتيجية، وضبط التفاعلات الدولية ضمن نطاقها الجغرافي، خاصة في ظل نظام دولي يزداد انتقائية وتسييسًا.
السيادة أولًا من يملك الحق في التنظيم؟… يمر عبر مضيق هرمز نحو ثلث تجارة النفط العالمية، وهو ما يجعله نقطة ضغط استراتيجية بامتياز، ورغم ذلك، ظلت لعقود تتحمل أعباء حماية هذا الممر، من أمن ومراقبة ومخاطر بيئية، دون أن يكون لها إطار قانوني واضح لتعويض هذه الكلفة.
“قانون هرمز” يأتي ليملأ هذا الفراغ، واضعًا أسسًا مؤسساتية لفرض رسوم تُستخدم وفق طرح جمهورية الإسلام ايران في:
1- حماية البيئة البحرية من التلوث الناتج عن حركة الناقلات الضخمة
2- تعزيز الأمن الملاحي في منطقة شديدة الحساسية
3- تمويل بنى تحتية بحرية تخدم الاستقرار الإقليمي
وهنا يطرح سؤال جوهري، لماذا يُعتبر التنظيم لمياهها تهديدًا، بينما تُعدّ إجراءات مماثلة في مضائق أخرى ممارسة “سيادية مشروعة”؟
ازدواجية المعايير قراءة في الموقف الأمريكي… ردود الفعل القادمة من، والتي وصفت القانون بأنه “غير قانوني”، تعكس نمطًا متكررًا من الرفض لأي محاولة لإعادة توزيع النفوذ في الممرات الدولية، غير أن هذا الموقف يثير تناقضًا واضحًا يبرز في كون، الولايات المتحدة نفسها تفرض رسومًا وتنظيمات على ممرات وموانئ دولية تقع ضمن سيادتها جبراً، وتدعم في سياقات أخرى، “حرية الملاحة” حين تخدم مصالحها فقط، ما ترفضه واشنطن هنا ليس مبدأ الرسوم بحد ذاته، بل الجهة التي تفرضها.
الميزة الأبرز في “قانون هرمز” ليست في الرسوم، بل في محاولة “مأسسة” العلاقة مع الملاحة الدولية، فبدل أن يبقى المضيق رهينة التوترات العسكرية أو التهديدات المتبادلة، تسعى الجمهورية إلى إدخاله ضمن إطار قانوني قابل للتفاوض والتطوير.
إن إنشاء “صندوق إقليمي” لإدارة العائدات يمثل خطوة ذكية، إذ يفتح الباب نظريًا أمام إشراك أطراف أخرى في الاستفادة، ما قد يحول المضيق من نقطة صراع إلى منصة تعاون.
هنا يبرز مصطلح الاقتصاد السياسي للممرات البحرية، ففي عالم تتزايد فيه أهمية سلاسل التوريد، لم تعد الممرات البحرية مجرد طرق عبور، بل أدوات نفوذ، و”قانون هرمز” يعكس إدراكًا إيرانيًا عميقًا لهذه الحقيقة، فمن يسيطر على الممر، لا يتحكم فقط في الجغرافيا، بل في الاقتصاد والسياسة معًا.
وبينما ترى بعض القوى في هذه الخطوة تهديدًا، يمكن قراءتها من زاوية أخرى كجزء من إعادة التوازن في نظام عالمي لم يعد أحادي القطبية.
الخلاصة تكمن بين الشرعية والهيمنة، “قانون هرمز” ليس مجرد تشريع تقني، بل هو إعلان سياسي بامتياز، إعلان بأن زمن إدارة الممرات الحيوية من خارج جغرافيتها قد بدأ في التراجع.
قد يثير هذا القانون جدلًا واسعًا، وربما صدامات سياسية، لكنه في جوهره يطرح نقاشًا مشروعًا حول، من يملك الحق في تنظيم الموارد؟ ومن يحدد قواعد التجارة العالمية؟
وفي هذا السياق، تبدو وكأنها لا تفرض رسومًا فقط، بل تفرض سؤالًا جديدًا على النظام الدولي بأسره.
