المشرق بين الهندسة اللغوية والهندسة السياسية
لا تُقاس السيطرة في الجغرافيا السياسية الحديثة فقط بامتلاك الأرض أو الثروات، بل بالقدرة على إعادة تشكيل الوعي الجماعي للشعوب الواقعة في المناطق الحساسة استراتيجيًا.
بهذا المعنى، يشكّل المشرق السوري الطبيعي — الممتد من جبال طوروس شمالًا إلى سيناء جنوبًا، ومن المتوسط غربًا إلى الفرات شرقًا — قلب التنافس الجيوبوليتيكي منذ آلاف السنين. فهو موطن الحرف، وممر الإمبراطوريات، ومخزون الطاقة والرموز الدينية.
ومنذ القرن السابع الميلادي، حين بدأت موجات الصراع بين العرب والخزر تكشّف على هذه الرقعة مشروع متواصل بأقنعة متعددة: التتريك، العبرنة، والإمبريالية الرأسمالية — ثلاث مراحل لهدف واحد: تفكيك هوية المشرق وإعادة هندستها بما يخدم مراكز القوة الخارجية.
أولاً: الجذر التركي–الخزري للمشروع
في الجغرافيا السياسية القديمة، شكّلت منطقة تركستان والخزر محورًا بين روسيا، فارس، والأناضول.من هناك خرجت قبائل تركية — من بينها الخزر — لتشكّل حلقة وصل بين الشرق والغرب، ولتتحول لاحقًا إلى أداة في الصراع على المشرق. أسس الخزر مملكتهم بين البحر الأسود وبحر قزوين، وحين أسلمت القبائل المجاورة وتنصرت روسيا، اعتنق الملك بولان اليهودية عام 720م حفاظًا على التوازن الجيوسياسي بين القوى الثلاث: العرب، الروس، والبيزنطيين. بعد سقوطهم في القرن الثامن، توزعت نخبهم في شرق أوروبا وأسست ما يعرف اليوم بـ اليهود الأشكناز، فيما بقي قسم تركي الأصل في آسيا الصغرى تطوّر لاحقًا إلى السلاجقة فالعثمانيين.
بهذا المعنى، لم يكن التحالف العثماني–اليهودي في القرون اللاحقة مصادفة ثقافية، بل امتدادًا لصلات عرقية–سياسية ضاربة في الجذور.
ثانيًا: من السلاجقة إلى العثمانيين – السيطرة بالهوية واللغة
مع انتقال الأتراك من آسيا الوسطى إلى الأناضول، بدأ ما يمكن تسميته بـ التحول من الغزو العسكري إلى الغزو اللغوي والثقافي. فالطورانية لم تكن قومية محضة، بل مشروعًا لتوحيد الشعوب الخاضعة حول لغة وسلطة مركزية واحدة. وحين ورث العثمانيون هذا النهج، نقلوه إلى المشرق العربي في صيغة “التتريك”، الذي استهدف:
تفكيك البنى الثقافية العربية–السريانية،فرض اللغة التركية كأداة إدارة،وإضعاف استقلال المدن الثقافية الكبرى كدمشق وحلب وبيروت. ومن منظور جيوبوليتيكي، كان الهدف تحويل المشرق من مركز حضاري مستقل إلى هامش إداري يتبع إسطنبول، تمهيدًا لجعله منطقة عبور للمصالح الأوروبية عبر الأناضول.
ثالثًا: الإمبراطورية العثمانية كجسر للرأسمالية الغربية
لم تكن السلطنة العثمانية سوى المرحلة الانتقالية التي سبقت دخول الإمبريالية الرأسمالية إلى المشرق.فهي هيأت الأرض البشرية والثقافية لتفكيك البنى التقليدية، وأوجدت بيئة طائفية ولغوية هشة سهل على الغرب استثمارها لاحقًا. فقد نظرت بريطانيا، منذ احتلالها لمصر، إلى فلسطين بوصفها “مفتاح قناة السويس” وضمان طريق الهند. أما فرنسا فرأت في سورية ولبنان قاعدة ثقافية–تبشيرية للتمدّد نحو الشرق الأدنى. والولايات المتحدة، بعد الحرب الثانية، ورثت النظام كله عبر أدوات الاقتصاد والنفط والإعلام.
في هذا السياق، بدت الصهيونية الوجه الثقافي للمشروع الغربي نفسه:عبرنة الأرض واللغة تحت غطاء ديني لتأمين حضور سياسي دائم للمصالح الرأسمالية في مركز الجغرافيا العالمية.
رابعًا: العبرنة كمرحلة متقدمة من الهندسة الجيوبوليتيكية
ابتداءً من أواخر القرن التاسع عشر، تَحوّل المشروع الصهيوني إلى ما يمكن وصفه بـ الهندسة اللغوية المُمأسسة.فالعبرية الحديثة التي صنعها إليعازر بن يهودا (1896) لم تكن إحياءً دينياً للغة توراتية، بل مشروعًا سياسيًا لتوحيد جماعات متنافرة في هوية قومية جديدة تخدم هدف الاستيطان. ترافقت هذه الهندسة اللغوية مع هندسة ديموغرافية على الأرض، عبر موجات الهجرة المنظمة، حتى غدت فلسطين نقطة الارتكاز في المشروع الغربي الأشمل:التحكم في قلب المشرق، حيث تتقاطع أنابيب النفط والغاز وخطوط التجارة من آسيا إلى أوروبا.
خامسًا: سورية الطبيعية — مركز الصراع ومختبر الجيوبوليتيكا
تاريخيًا، لم تكن سورية الطبيعية مجرد منطقة جغرافية، بل عقدة الطاقة والهوية في الشرق.فهي:تتوسط المتوسط والخليج،تربط الأناضول بجزيرة العرب،وتشكل المخزون الثقافي واللغوي للأمة.لذلك، كان استهدافها دائمًا مزدوجًا:من الشمال بالتتريك العثماني،ومن الجنوب بالعبرنة الصهيونية،ومن الغرب بالإمبريالية الرأسمالية،وجميعها اجتمعت على هدف واحد: كسر وحدة المشرق الحضارية والسياسية.

روح أبناء الأرض الأصليين — الجيوبوليتيك المعاكس
ورغم كل ذلك، لم تنجح مشاريع التفكيك في اقتلاع الوجدان السوري الأصيل.فالقوة الجيوبوليتيكية الحقيقية للمشرق لا تكمن في حدوده أو موارده فحسب، بل في الاستمرارية الحضارية لشعوبه.من جبال الأمانوس إلى تدمر، ومن عشتار إلى مريم، ومن أوغاريت إلى دمشق، تستمر روح الأرض في مقاومة التغيير القسري للهوية.هذه الروح تشكّل اليوم الرد الجيوبوليتيكي المعاكس:هوية أصيلة في وجه الهندسة، وذاكرة لغوية في وجه المسخ، ووجدان وطني يرفض الاستسلام.إنها القوة التي جعلت المشرق، عبر كل العصور، ميدانًا لا يُستعمر تمامًا ولا يُستسلم فيه للغزاة.
الجغرافيا تصنع التاريخ… لكن الوجدان يصنع البقاء
من التتريك إلى العبرنة، ومن الخزر إلى العثمانيين فالصهاينة، تتكرّر المعادلة ذاتها:
قوة خارجية تستخدم اللغة والهوية كوسيلة لتفكيك المجال السوري الطبيعي، تمهيدًا للسيطرة على ثرواته وموقعه.
لكن في المقابل، يظهر الإنسان السوري–المشرقي بوصفه العامل الثابت في معادلة التغيير:
ذاكرته أطول من حدوده، ووعيه أعمق من سطوة القوة.
فمن يمتلك لغته وثقافته وهويته وحقيقته يمتلك وجوده،ومن يمتلك وجوده يمتلك قراره، ومن يحمل روح الأرض — لا يُهزم.
بقلم الدكتورة نبيلة عفيف غصن