أخيراً، أُخرجت الخرائط الحقيقية من الأدراج ونُشرت على طاولات صنّاع القرار ووسائل التواصل الاجتماعي. “حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل”، بما تشمله من أراض لبنانية وسورية وأردنية وعراقية وسعودية ومصرية.
يرافق هذا، ما قدّمه نتنياهو في مؤتمر صحفي منذ أيام عن حل لعقدة مضيق هرمز يقضي بمد أنابيب نفط من شرق شبه الجزيرة العربية إلى فلسطين المحتلة.
وكان قد سبق كل هذا حديث عن قناة جديدة، قناة “بن غوريون”، تربط البحر الأحمر بالبحر الأبيض بالمتوسط بالقرب من غزّة المدمرة، وعن طريق تجاري يربط الهند بأوروبا عبر دول الخليج فدولة الاحتلال ومنها إلى العالم.
قناة “بن غوريون”
من هذه الخرائط كلها يتكون أمامنا مشهد قوة كبرى تكون هي عقدة مواصلات بحرية ونفطية، يدعمها اقتصاد زراعي، صناعي، حربي، يقوم على موارد طبيعية هائلة، بما فيه المعادن الحرجة، ناهيك عن السياحة البحرية في “ريفيرا غزّة”، والأثرية والدينية، والقطاع المصرفي. وتستند في كل هذا إلى بنية تحتية مالية تؤمن عائدات هائلة لمستثمرين أمريكيين وأوروبيين، ما يوفّر بدوره غطاءً سياسياً دولياً يضمن استمرار هذه القوة.
هذا هو المشهد الذي يُسوّق يوميّاً: أقليّة دينيّة عنصريّة تتحكم بمصير عشرات ملايين الناس من مختلف المذاهب والأصول. فيعتقد بعضٌ، انطلاقاً من مسار التوسع الإسرائيلي التاريخي، أنه قدرٌ لا يردّ.
هذا القدر يقوم على مجموعة مسلّمات يُقنع العقل الإسرائيلي نفسه بها. هذا بعضها:
المصالح الأمريكية – الإسرائيلية متطابقة، فإن لم تكن، فالأولوية للمصالح الإسرائيلية، دائماً.
التفوق العسكري الأمريكي كفيل بزرع الرعب في القلوب، فينصاع الحكّام والشعوب في المنطقة للأمر الأمريكي.
دول الجوار مثل إيران وتركيا، وحتى مصر والسعودية، لن تحرك ساكناً في وجه التوسع الإسرائيلي.
مسار التفتيت الاجتماعي والسياسي في بلادنا مستمر إلى الأبد، وهو كفيل بإبقاء المجتمع في حالة ضعف لا تنتهي.
إذا ضُربت المقاومة فإنها سوف تنتهي وترفع الناس الرايات البيضاء، أيضاً إلى الأبد.
المجتمع الإسرائيلي متماسك وشجاع ولا يتخلى أبداً عن وطنه المصطنع.
بقية اليهود المنتشرين في العالم سوف “يعودون” إلى إسرائيل فيصبح تعدادها ست عشرة مليون نسمة.
هذا العدد كاف للسيطرة على كتلة سكانية في حدود المئة مليون نسمة منتشرين بين النيل والفرات.
السيطرة على مفاصل القرار في الولايات المتحدة سوف تبقى بيد اللوبي الصهيوني حتى لو غادرها اليهود.
تقنيات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات كافية للسيطرة على الشعوب وعلى قراراتها حتى عن بعد.
لا حاجة بنا لتفصيل أن كل واحدة من هذه “المسلمات” إما ثبت بطلانها أو أنها تنهار أمام أعيننا. ولعل حرب سنتين ونيّف على غزّة دون القضاء على مقاومتها، وتجدد المقاومة في لبنان بعد أن ظنها العالم قد انتهت، والآن الحرب في إيران، هي خير مثال على ما نقول. إن الدبابات التي تدخل لبنان اليوم كقلاع مجنزرة، تعود طواقمها متفحمة، فيما يستفيد تجّار الخردة اللبنانيون من حديدها المدمّر.
الممر الاقتصادي الهندي – الأوروبي
أما الانهيار الأكبر، فهو كشف صورة إسرائيل الحقيقة في العالم والفضل في ذلك يعود أولا وأخيراً لشهداء غزّة البطلة من مقاتلين وأطفال ومسعفين. هناك تحوّلٌ متسارع في الرأي العام الأمريكي ضد إسرائيل ومع فلسطين. المحك هو الانتخابات الأمريكية النصفية في الخريف القادم.
بلى، التفتيت قائم، ولكن الالتحام قائم كذلك. نعم، هناك قيادات أُسقطت بالمظلات على كيانات هُزمت، ولكن مصير هذه القيادات، تاريخيّاً، معروف. ونعم، هناك مال إعلامي كبير يُضخ لصناعة فكرة الهزيمة والاستسلام، والترويج لإسرائيل الكبرى كقدر لا يرد. ولكن في المقابل هناك أصوات شابة تولد كل يوم ترفض الهزيمة وتأبى العيش في ذل العبودية.
على فكرة، هذه المنطقة، التي يسميها نتنياهو “إسرائيل الكبرى”، هي بلاد الشام والعراق، هي سورية الطبيعية، ناقص ما لا يخصنا منها في بلاد العرب ومصر. هذه المنطقة نريد لها ان تكون قوة دولية يعيش فيها أهلها بحرية وكرامة ومساواة تحت قانون مدني واحد. بلاد تساهم في بناء الحضارة الإنسانية وإعلاء قيم الخير والحق والجمال.
“إسرائيل الكبرى” قدرٌ لولا مشكلة صغيرة: “إرادتنا نحن هي القضاء والقدر.”
بقلم:أسامة المهتار/باحث ومحلل سياسي لبناني
