إلى مثقفي الخليج ونخبه: الاستعباد الأمريكي

من شروط الانتماء إلى «النخبة» وأن يكون المرء ضمن الفئة «المثقفة» عدم التخلّي عن العقل زمن العاصفة، مهما اشتدّت ومهما تعالت ريحها، لأنّ ما يميّز «النخب» عن العامّة ليس الظهور على القنوات الفضائيّة ورفع العقيرة أو «الجهل فوق جهل الجاهلين» على وسائل التواصل الاجتماعي…
منذ الصاروخ الإيراني الذي توجه إلى القواعد الأمريكية القائمة على أراضيكم، تعالت أصواتكم مندّدة بما ترونه «عدوانًا»، لنقلب المعادلة من باب القياس، ونسأل: «هل تقبلون ذات الإجابة في حال افترضنا (جدلاً) انطلاق الصواريخ من قواعد روسية القائمة على أراضي دولة قريبة من حدود بلدانكم؟؟؟».
حين نأخذ وقتًا مستقطعًا وسط «الهوجة» المسيطرة على العقول، يمكن الجزم أنّ دولكم تقع في حالة وسيطة بين ممالك الأندلس المنكسرة أمام الملكة (المؤمنة جدّا) «إيزابلا» التي عملت على استئصال الوجود الإسلامي في الأندلس برمته، بل رست سفن شارل الخامس بعد زمن على سواحل افرقيه، ليأتي آل عثمان وينقذون هذه الدول، من ناحية، من جهة و«دولة قرطاج» التي بنت مجدًا جعل منها إحدى أهمّ الامبراطوريات عبر التاريخ.
مع وجوب التأكيد على أنّ هذه «الإمبراطورية» كانت (كما يقول الفرنجة) «ذات أرجل من طين»، حين اعتمدت على المرتزقة حصرًا، دون التفكير (كما هو حالكم راهنًا) في توسيع دائرة الانتماء إلى هذه «الإمبراطورية».
فهم الجنرال «أميلكار بركة» والدة «حنّبعل» (وفي رواية أخرى «هنّبعل») أحد أهمّ القادة العسكريين عبر التاريخ الأمر، حين قال (الوالد) بعد أن أفنى جيشا من المرتزقة قام بتسريحهم بعد أن قلّ مال قرطاج، فكانت مقولته الشهيرة: «المرتزقة يديرون سلاحهم في الاتجاه الذي يمليه من يدفع أكثر، ولا يسقطونه أبدًا».
مع وجوب التأكيد أن هذه الصفة لا تشمل جميع من قاده «الرزق» للعمل لديكم، بل هو مناخ عام، يحصر العلاقة بالوافد في العمل (وبس)، دون التأسيس لأيّ «تجذير» كما هو الحال في الغرب، حين نرى من يتربّع حاليا على كرسي مدينة نيويورك…

تغيرت «الراديغمات» القائمة ولم يعد من الممكن للحذلقة اللغويّة و«ضرب اللغة المزيفة» تقديم التوصيف الأمثل، حين صار استبطان «الاحتلال الأمريكي» أو (بلغة ألطف) «السيطرة العسكرية الأمريكية» ليس فقط ضمن «الأمور العادية»، بل «الأمور المطلوبة»، (وهنا الطامّة الكبرى) انقلب (هذا) «الوجود» (الأمريكي) «شرط حياة» حين لم يفهم حكّام الخليج أنّ الصاروخ الأول الذي أصاب الدوحة أطلقنه الصهاينة بعلم ودراية، بل بموافقة إن لم نقل بقرار أمريكي، ليتحوّل الخليجيون إلى «عبيد» على أراضيهم…
نصر الدين بن حديد