مقدمة: الأرض والهوية كقضية وجودية
في عالم يتشابك فيه القانون والسياسة والاقتصاد، تصبح الأرض أكثر من مجرد مساحة جغرافية؛ فهي عنصر أساسي في الهوية الجماعية، وفي صراع الشعوب على البقاء والسيادة. على امتداد التاريخ، لم تكن السيطرة على الأرض مجرد غاية اقتصادية أو عسكرية، بل أداة لإعادة تشكيل الوعي والهوية، وإخضاع المجتمعات لإرادة القوى المسيطرة.
في الشرق الأوسط، تمثل تجربة الجولان السوري المحتل، الضفة الغربية، والقدس الشرقية نموذجاً صارخاً لما يمكن وصفه بـ”الاستعمار القانوني للأرض”. فمن خلال منظومة معقدة من القوانين، والسياسات الإدارية، والتخطيط العمراني، ومشاريع التنمية المزيفة، تمكن الكيان الصهيوني من إعادة تشكيل الملكية والديموغرافيا بطريقة تدريجية لكن ممنهجة، تهدف في النهاية إلى تحويل الأرض من ملكية للسكان الأصليين إلى ملكية للدولة أو المستوطنين.
وإذا كانت السياسات المباشرة كالاحتلال العسكري ظاهرة للعيان، فإن الأدوات القانونية والإدارية تظهر أكثر فتكاً على المدى الطويل، لأنها تضفي غطاءً شرعياً على ما هو في جوهره مصادرة ممنهجة للملكية. هذا المقال يسعى إلى تحليل هذه السياسات عبر ثلاث ساحات جغرافية مترابطة: مجدل شمس والجولان المحتل، الضفة الغربية، والقدس الشرقية، مع التركيز على أدوات السيطرة، المقاومة المحلية، والسياق القانوني الدولي.
في كل متر من الأرض المسلوبة في الجولان، وفي كل شبر من الضفة الغربية والقدس الشرقية، يكمن درس صارخ لمن يتغافل عن حقوق وطنه وممتلكاته. الأرض ليست مجرد تربة أو عقار، بل هي الهوية، والذاكرة، والمستقبل. ما يحدث اليوم في الأراضي السورية والفلسطينية المحتلة ليس صدفة، بل سياسة ممنهجة لإفراغ الشعوب من ملكيتها لوجودها، وإعادة رسم خريطتها الديموغرافية وفق مصالح القوى الأجنبية والمستعمرين الجدد.
تاريخ المنطقة يعلمنا أن من يفرّط بأرضه، حتى ولو بدا القانون أو النظام ظاهرياً في صفه، سيندم حين يكتشف أن الأرض أصبحت ملكاً للآخرين، وأن أصوات التاريخ لا تعيد له ما فقده. لذلك، قراءة التجارب الفلسطينية والسورية ليست خياراً، بل واجب وطني واستراتيجي لكل من يملك وعيه ويهتم بمستقبل مجتمعه وأرضه.

الفصل الأول: الجولان السوري المحتل ومجدل شمس – السيطرة التدريجية على الأرض
منذ الاحتلال الإسرائيلي للجولان عام 1967، ومن ثم ضمه أحادياً عام 1981، قامت سلطات الاحتلال ببناء منظومة متكاملة من السياسات القانونية والإدارية والعسكرية تهدف إلى السيطرة على الأرض، وتقليص الحيز المتاح للسكان السوريين، في مقدمتهم أهالي مجدل شمس، بقعاتا، مسعدة، وعين قنية. وتوضح الدراسات أن أكثر من 90% من مساحة الجولان أصبحت تحت السيطرة الإسرائيلية الفعلية أو مستوطنات يهودية، بينما تتركز القرى السورية في مناطق محدودة لا تتجاوز نسبتها 10% من المساحة الإجمالية¹.

  1. قانون أملاك الغائبين
    أحد أبرز الأدوات القانونية التي استُخدمت في الجولان هو قانون أملاك الغائبين، الذي صُمم أصلاً لمصادرة أراضي الفلسطينيين المهجّرين عام 1948، ثم تم توسيعه ليشمل الأراضي السورية بعد الاحتلال. ينص القانون على أن كل شخص غادر أرضه أثناء الحرب أو لم يكن موجوداً فيها عند احتلالها يُصنّف غائباً، وتنتقل ملكية ممتلكاته إلى ما يسمى “حارس أملاك الغائبين”².
    تطبيق هذا القانون أدى إلى مصادرة آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية في الجولان، بما فيها أراضٍ كانت تعود لعائلات هجرت قسراً أو مُنعت من العودة، ما خلق شرخاً بين الملكية القانونية والواقع الفعلي للأرض. وقد أظهرت الدراسات أن هذه السياسة لم تهدف فقط إلى السيطرة على الأرض، بل أيضاً إلى تفكيك النسيج الاجتماعي والاقتصادي للقرى السورية.
  2. المناطق العسكرية المغلقة
    إلى جانب الأدوات القانونية، تستخدم إسرائيل المناطق العسكرية المغلقة كآلية مباشرة للسيطرة على الأرض³. فالمساحات التي تُصنّف على أنها أمنية أو عسكرية يُمنع أصحابها من الوصول إليها، وأحياناً لمدة عقود. هذا الإجراء لا يحرم السكان فقط من استخدام أراضيهم، بل يخلق إمكانات لإعادة تصنيف الأراضي لاحقاً لمشاريع اقتصادية أو استيطانية، دون أي تعويض فعلي للسكان الأصليين.
  3. المحميات الطبيعية
    في السنوات الأخيرة، أضاف الاحتلال بعداً آخر، من خلال إعلان مساحات من الأراضي كمحميات طبيعية⁴. هذا التصنيف يفرض قيوداً صارمة على استخدام الأرض، مثل منع البناء أو التوسع العمراني أو ممارسة أنشطة الرعي والزراعة التقليدية. وهكذا تتحول الملكية من ملكية فعلية إلى شكلية فقط، بينما تسيطر الدولة على الاستخدام العملي للأرض.
    وقد أدى ذلك إلى تجميد التطور العمراني للقرى السورية ومنع توسعها الطبيعي، ما يعزز قدرة المستوطنات الإسرائيلية على التوسع دون أي ضغط ديموغرافي حقيقي.
  4. مشاريع الطاقة وتوربينات الرياح
    من بين أحدث الآليات، استُخدمت مشاريع الطاقة المتجددة، خصوصاً توربينات الرياح العملاقة، كواجهة للاستيلاء على الأراضي في شمال الجولان⁵. وتتطلب هذه المشاريع مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، وتفرض قيوداً على الأراضي المحيطة بها، مما يقلص المساحات المتاحة للزراعة والرعي. وقد أثارت هذه المشاريع احتجاجات واسعة من قبل السكان، الذين يعتبرونها تهديداً مباشراً لملكية أراضيهم وهويتهم الزراعية التقليدية.
  5. سياسات التخطيط العمراني
    تفرض سلطات الاحتلال مخططات هيكلية صارمة للقرى السورية، ما يقيد البناء ضمن مساحات محدودة لا تتناسب مع النمو السكاني الطبيعي⁶. وعندما يضطر السكان للبناء خارج المساحات المسموح بها، تصنف هذه الأبنية على أنها بناء غير قانوني، ما يعرض أصحابها لغرامات وأوامر هدم، ويخلق ضغطاً ديموغرافياً يهدف إلى دفع السكان نحو الهجرة أو تقليل قدرتهم على التوسع الطبيعي.

الفصل الثاني: الضفة الغربية – شبكة قانونية معقدة للسيطرة على الأرض
تمثل الضفة الغربية نموذجاً آخر للسيطرة على الأرض، لكنه يعتمد على إدارة عسكرية طويلة الأمد وقوانين متعددة ومتداخلة، تشمل قوانين عثمانية وبريطانية وأردنية وإسرائيلية، ما يخلق منظومة معقدة للتحكم في الملكية.

  1. إعلان أراضي الدولة
    أحد أبرز الأدوات في الضفة الغربية هو إعلان مساحات واسعة أراضي دولة استناداً إلى تفسير خاص لقانون الأراضي العثماني لعام 1858⁷. وقد استُخدم هذا الإجراء لمصادرة مئات آلاف الدونمات وتخصيصها للمستوطنات، ما أدى إلى تقليص المساحة المتاحة للسكان الفلسطينيين، وتقويض الاقتصاد الزراعي المحلي.
  2. المصادرة لأغراض عسكرية
    غالباً ما تُصادر الأراضي الفلسطينية بحجة الاحتياجات العسكرية أو إنشاء طرق التفافية للمستوطنين⁸. وهذه المصادرات، على الرغم من كونها مبررة مؤقتاً، تتحول تدريجياً إلى بنية دائمة تعزز الاستيطان وتقيد حركة السكان.
  3. الجدار العازل
    منذ عام 2002، أدى بناء الجدار العازل إلى عزل مساحات واسعة من الأراضي الزراعية خلف الجدار⁹. هذا الإجراء يمنع الوصول إليها فعلياً ويحوّل الأراضي إلى مناطق غير مستخدمة، ويزيد من الضغط الاقتصادي على السكان ويقلل قدرتهم على الاستمرار في حياتهم الطبيعية.

الفصل الثالث: القدس الشرقية – مصادرة ممنهجة لممتلكات المسلمين والمسيحيين
تُعد القدس الشرقية نموذجاً صارخاً لاستعمال القانون كأداة لإعادة تشكيل الملكية العقارية لصالح المستوطنات اليهودية، مع استهداف ممتلكات الفلسطينيين المسلمين والمسيحيين على حد سواء.

  1. قانون أملاك الغائبين
    بعد احتلال القدس الشرقية، تم تطبيق قانون أملاك الغائبين على ممتلكات الفلسطينيين¹⁰، مما أدى إلى نقل ملكية العديد من العقارات إلى الدولة أو الجمعيات الاستيطانية. هذا الإجراء استخدم بشكل ممنهج ضد العائلات التي هجرت عام 1948 أو عام 1967، سواء كانت مسلمة أو مسيحية.
  2. قانون “الملكية قبل 1948”
    يسمح القانون الإسرائيلي الصادر عام 1970 لليهود بالمطالبة بممتلكاتهم في القدس الشرقية قبل عام 1948، في حين لا يسمح للفلسطينيين بمطالبة مماثلة⁹. وقد استُخدم القانون في أحياء مثل الشيخ جراح وسلوان لنقل ملكية المنازل الفلسطينية إلى الجمعيات الاستيطانية.
  3. الجمعيات الاستيطانية
    تلعب منظمات مثل إلعاد وعطيرت كوهانيم دوراً رئيسياً في شراء العقارات أو السيطرة عليها عبر المحاكم¹². وغالباً ما تستهدف العقارات التابعة لعائلات مسلمة ومسيحية، في خطوة مدروسة لإعادة تشكيل البنية الديموغرافية للمدينة، وطمس الوجود الفلسطيني فيها.

الفصل الرابع: البنية الاستعمارية المشتركة
تحليل السياسات في الجولان، الضفة الغربية، والقدس الشرقية يكشف عن نمط استعماري واحد، رغم اختلاف الأدوات القانونية والإدارية. العناصر المشتركة تشمل:
استخدام القانون لإضفاء الشرعية على المصادرة: تُحوّل القوانين التقليدية أو الطارئة إلى أدوات للسيطرة على الملكية.
تحويل الملكية من فعلية إلى شكلية: يظل المالك اسميًا، لكن لا يمكنه استخدام الأرض أو البناء عليها.
خلق ضغط ديموغرافي على السكان الأصليين: التضييق العمراني والغرامات والهدم، بهدف دفع السكان للهجرة.
إعادة توزيع الأراضي لصالح المستوطنات: الهدف النهائي لجميع السياسات هو تحويل الأرض تدريجياً للمستوطنين والدولة.

خاتمة: الأرض كساحة مقاومة وضرورة نهضوية
تؤكد تجربة الجولان، الضفة الغربية، والقدس الشرقية أن الأرض ليست مجرد مورد اقتصادي أو موقع استراتيجي، بل قضية وجودية تمس الهوية والانتماء. كل متر مربع يُستولى عليه هو ضربة لوعي السكان وذاكرتهم الجمعية.
لكن التاريخ يظهر أن المقاومة الشعبية، رغم ضعف الإمكانيات النسبية، تظل العامل الحاسم في الدفاع عن الأرض والهوية. الإضرابات، الاحتجاجات، والتوثيق القانوني والميداني تثبت أن الشعب الذي يمتلك الأرض في وعيه وذاكرته لا يمكن لأي قوة خارجية أن تسلبه حقه في الانتماء والحياة على أرضه.
إن مواجهة سياسات الاستيلاء على الأرض لا تتوقف عند الحدود القانونية أو السياسية؛ فهي حرب على الوعي، على المستقبل، وعلى الذاكرة الوطنية. ومن هنا ينبثق دور النخب والباحثين والمجتمع المدني في إرساء الوعي المتجذر في الحقيقة التاريخية، القادر على تحريك الضمير الجمعي، ومقاومة المشروع الاستعماري، وإعادة الأرض إلى أصحابها الحقيقيين.
إن الأرض التي يتم الاستيلاء عليها تصبح أرض بلا ذاكرة، ووجود بلا هوية، ومستقبل بلا أمان. الجولان، الضفة الغربية، والقدس الشرقية تثبت أن الانبطاح السياسي والمساومة على الحقوق الوطنية ليس رفاهية، بل طريق مباشر لمصادرة الممتلكات وتشويه الوجود الوطني.
لليمين اللبناني وللمطبلين لسوريا الجولاني، اعلموا: كل متر من أرضكم لا تحرسونه، وكل حق لا تطالبون به، سيصبح غداً سلعة في يد الآخرين، قانونياً وواقعياً. لن تكون هناك جدران أو مستندات أو قوانين تحمي من لم يملك الإرادة الوطنية، فالتاريخ لا يرحم من فرّط بممتلكاته أو أهمل واجبه في حماية أرضه.
الأرض ليست مجرد عقار أو تربة، إنها الوعي الجمعي، والهوية التاريخية، ومصدر القوة الوطنية. من يفرط بها، يخاطر بفقدان جذوره، وطمس ذاكرته، وتسليم مصيره إلى أيدٍ أجنبية.
ومن هنا ينبثق الواجب الوطني للأجيال الحاضرة والقادمة: أن يقاوموا كل محاولات الاستيلاء، أن يحموا ممتلكاتهم وأرضهم، وأن يجعلوا من الدفاع عن الأرض خطاً أحمر وطنياً لا يمكن تجاوزه، مهما كانت التحديات أو الضغوط. الأرض التي تُحمى هي الوطن الذي يبقى، ومن يفرّط بها، سيندم حين يكتشف أن لا قانون ولا محكمة ولا دولة ستحميه من الطامعين والقوى الاستعمارية التي لن تتوقف عن ابتلاع الأرض والهوية.

د.نبيلة عفيف غصن

الهوامش والمراجع

  1. Yiftachel, Oren. Ethnocracy: Land and Identity Politics in Israel/Palestine. University of Pennsylvania Press, 2006.
  2. Forman, Geremy & Alexandre Kedar. “From Arab Land to Israel Lands.” Environment and Planning D, 2004.
  3. Al-Marsad – Arab Human Rights Center in the Golan. Land and Property in the Occupied Golan.
  4. Benvenisti, Meron. Sacred Landscape: The Buried History of the Holy Land. University of California Press, 2000.
  5. Human Rights Watch. Israel: Wind Turbine Project in Golan Heights, 2023.
  6. B’Tselem. Planning Policy in the Golan Heights.
  7. Kedar, Alexandre. “The Legal Transformation of Ethnic Geography.” New York University Journal of International Law, 1998.
  8. Weizman, Eyal. Hollow Land: Israel’s Architecture of Occupation. Verso, 2007.
  9. International Court of Justice. Advisory Opinion on the Legal Consequences of the Construction of a Wall, 2004.
  10. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA). East Jerusalem Report.
  11. Dumper, Michael. Jerusalem Unbound. Columbia University Press, 2014.
  12. Ir Amim. Settler Organizations in East Jerusalem.