في ظل العدوان الصهيوني على الجنوب اللبناني، تصبح دعوة أنطون سعادة لتحويل الأعياد الدينية إلى أعياد وطنية خيارًا استراتيجيًا لتماسك المجتمع. فالمجتمع الذي يحتفل في وحدة يمتلك القدرة على الصمود، ويقاوم التفكيك عبر ترسيخ الهوية الوطنية. تحويل الدين من فصل إلى جمهور يُسهم في توحيد الشعب، ويُعيد بناء الثقة الاجتماعية، في سياق يُشكل فيه الفرح الجماعي نوعًا من المقاومة. في هذا الظرف، يصبح العيد مساحة مشتركة لتجاوز الانقسامات وبناء مصير مشترك.

د. نبيلة عفيف غصن

في ظل العدوان الصهيوني على الجنوب اللبناني، لا تعود الأسئلة الفكرية ترفًا نظريًا، بل تتحول إلى أدوات لفهم معادلة الصمود نفسها. من هنا، تكتسب دعوة أنطون سعادة—«علينا أن نحول الأعياد الدينية إلى أعياد وطنية»—معناها العميق كخيار استراتيجي، لا كطرح ثقافي عابر. فالمعركة اليوم لا تُخاض فقط على الحدود، بل في بنية المجتمع ذاته: في وحدته أو تشرذمه، في وعيه أو انقسامه.

العدوان واختبار التماسك الداخلي

كل عدوان خارجي يحمل في جوهره رهانًا على الداخل. ليس الهدف فقط إلحاق الأذى المادي، بل تفكيك المجتمع من داخله، عبر استثارة التناقضات الكامنة فيه. في هذا السياق، تصبح الطائفية أكثر من مجرد واقع اجتماعي؛ تتحول إلى نقطة ضعف بنيوية يمكن النفاذ منها.

هنا تحديدًا تبرز أهمية طرح سعادة، الذي يقوم على دمج التنوع الديني ضمن إطار وطني جامع، بحيث لا يعود الدين خط فصل بين أبناء المجتمع. تحويل الأعياد إلى مناسبات وطنية ليس تفصيلًا رمزيًا، بل خطوة عملية لإغلاق أحد أخطر منافذ الاختراق الداخلي.

من الطقس الديني إلى الفعل الوطني

حين تبقى الأعياد محصورة ضمن أطر دينية ضيقة، فإنها—حتى دون قصد—تعيد إنتاج الانقسام، وتُبقي كل جماعة داخل حدودها النفسية والاجتماعية. أما حين تتحول إلى أعياد وطنية، فإنها تخرج إلى الفضاء العام، وتصبح لحظات لقاء بين مختلف مكوّنات الشعب.

هذا التحول يعكس جوهر فكرة سعادة: أن الأعياد يجب ألا تكون مجرد طقوس، بل تعبيرًا عن “انتصارات المجتمع” ككل، وعن قدرته على الاستمرار والتجدد. في زمن العدوان، يصبح هذا المعنى أكثر إلحاحًا، لأن كل لحظة اجتماع هي فعل مقاومة في وجه التفكك.

فصل الدين عن الدولة كشرط للصمود

لا يمكن تحقيق هذا التحول دون مقاربة واضحة للعلاقة بين الدين والدولة. ففصل الدين عن الدولة، كما طرحه سعادة، لا يستهدف إلغاء الدين، بل تحريره من التوظيف السياسي، ومنع استخدامه كأداة للانقسام.

في ظرف الحرب، يتضاعف خطر استغلال الانتماءات الدينية لتفكيك المجتمع. لذلك، يصبح تحويل الأعياد إلى مناسبات وطنية جزءًا من إعادة تنظيم المجال العام على أساس المصلحة المشتركة، لا الانتماءات الجزئية.

الفرح كأداة مقاومة

قد يبدو الحديث عن الأعياد في زمن القصف مفارقة، لكن الحقيقة أن الفرح الجماعي هو أحد أشكال الصمود. حين يصرّ المجتمع على الاحتفال، فهو لا يهرب من الواقع، بل يواجهه بطريقة مختلفة: يؤكد أنه ما زال قادرًا على الاجتماع، على التلاقي، وعلى إنتاج معنى للحياة رغم التهديد.

وعندما يكون هذا الفرح وطنيًا جامعًا، فإنه يتحول إلى قوة نفسية واجتماعية، تعيد بناء الثقة بين الناس، وتخلق حالة من التماهي الجماعي الضروري لأي مواجهة طويلة.

التعددية بين التفجير والتوحيد

لبنان، بتكوينه التعددي، يقف دائمًا على حافة معادلة دقيقة: إما أن يكون تنوعه مصدر قوة، أو يتحول إلى عامل تفجير داخلي. في زمن العدوان، لا مجال للحياد في هذه المعادلة.

تحويل الأعياد الدينية إلى أعياد وطنية يقدّم نموذجًا عمليًا لإدارة هذا التنوع، عبر نقله من حالة التوازي المنفصل إلى حالة التفاعل المشترك. المشاركة المتبادلة في المناسبات تعيد تشكيل الوعي الجماعي، وتبني جسورًا تتجاوز الانقسامات التقليدية.

من الهوية المجزأة إلى الهوية الجامعة

في لحظة الخطر، تتهاوى الهويات الضيقة أمام الحاجة إلى إطار أوسع. دعوة سعادة تندرج في هذا السياق، إذ تسعى إلى إعادة تعريف الهوية على أساس وطني جامع، تكون فيه الأعياد إحدى أدوات التعبير عن هذا الانتماء.

فالانتماء، في النهاية، لا يُبنى بالشعارات، بل بالممارسة اليومية. والأعياد، بما تحمله من رمزية وطقوس، تشكّل فرصة متكررة لترسيخ هذا الانتماء بشكل عملي.

خلاصة

في ظل العدوان الصهيوني على الجنوب اللبناني، يصبح تحويل الأعياد الدينية إلى أعياد وطنية أكثر من فكرة إصلاحية؛ يتحول إلى ضرورة وجودية لحماية المجتمع من التفكك. إنها دعوة لإعادة ترتيب الأولويات: من الانقسام إلى الوحدة، ومن الطقوس المنعزلة إلى الفعل الجماعي.

في هذه اللحظة، لا يُقاس الصمود فقط بما يحدث على الجبهة، بل أيضًا بقدرة المجتمع على البقاء متماسكًا. ومن هذه الزاوية، يصبح العيد—حين يتحول إلى مناسبة وطنية جامعة—جزءًا من معادلة المواجهة نفسها، لا مجرد تفصيل خارجها.