مقدمة: تآكل صورة التفوق المطلق

لم يعد المشهد العسكري في الكيان الصهيوني كما كان يُقدَّم لعقود بوصفه نموذجًا للتفوق التكنولوجي الحاسم والسيطرة الجوية الكاملة. فمع تصاعد وتيرة الهجمات الصاروخية الإيرانية، وبروز مؤشرات على اختراقات متزايدة لمنظومات الدفاع الجوي، تتشكل ملامح مرحلة جديدة عنوانها الأساسي: اختبار القدرة على الصمود في مواجهة ضغط ناري متواصل ومتعدد الأنماط. إن ما يجري حتى منتصف آذار 2026 لا يمكن قراءته كجولات متقطعة، بل كتحول بنيوي في ميزان الردع الإقليمي.

أولاً: بين الاعتراض والتساقط – معادلة دفاعية تحت الضغط

تشير المعطيات الميدانية إلى أن منظومات الدفاع الجوي في وسط الكيان الصهيوني، ولا سيما حول تل أبيب، ما تزال قادرة على اعتراض نسبة معتبرة من الصواريخ الإيرانية. غير أن هذا النجاح النسبي لا يخفي ظاهرة متصاعدة: تساقط الشظايا والذخائر العنقودية في مناطق متعددة، حيث تم تسجيل ما لا يقل عن ثمانية مواقع سقطت فيها بقايا اعتراضية أو شظايا.

هذا التطور يحمل دلالتين أساسيتين. الأولى، أن كثافة النيران المهاجمة باتت تفرض عبئًا حقيقيًا على منظومات الاعتراض، ما يزيد من احتمالات التسرب الجزئي. والثانية، أن حتى عمليات الاعتراض الناجحة لم تعد “نظيفة” من حيث الأثر، إذ تتحول بقايا الصواريخ إلى عامل ضرر بحد ذاته، بما يراكم خسائر مادية ويعمّق الشعور بعدم الأمان داخل العمق السكاني.

ورغم تأكيد الروايات الرسمية على غياب خسائر بشرية، فإن تزايد الأضرار المادية يشير إلى تآكل تدريجي في فعالية “الردع الدفاعي” الذي طالما ارتكز عليه الكيان الصهيوني.

ثانياً: مفارقة الليل والنهار – قراءة في أنماط النشر والضربات

من الظواهر اللافتة في هذا التصعيد التباين بين النشاط الليلي والنهاري. فخلال الليل، تتكرر صفارات الإنذار والتحذيرات بوتيرة أعلى، لكن دون تقارير موازية عن أضرار كبيرة. أما خلال النهار، فتبرز مقاطع مصورة لضربات أكثر دقة وتأثيرًا.

يمكن تفسير هذه المفارقة بعدة مستويات. على المستوى العملياتي، قد يشير ذلك إلى اعتماد نمطين مختلفين من الهجوم: قصف ليلي كثيف يهدف إلى إنهاك الدفاعات واستنزاف الذخائر الاعتراضية، مقابل ضربات نهارية أكثر دقة باستخدام صواريخ أحدث أو موجهة بشكل أفضل. أما على المستوى الإعلامي، فقد يكون للنشر الانتقائي دور في إبراز نجاحات معينة أو إخفاء إخفاقات محتملة.

في كلتا الحالتين، يعكس هذا التباين تطورًا في إدارة المعركة، حيث لم تعد الضربات مجرد إطلاق عشوائي، بل جزء من تكتيك مركّب يجمع بين الإرباك والاستنزاف والاختراق.

ثالثاً: الصواريخ الحديثة – هل تغير إيران قواعد اللعبة؟

نشر الجانب الإيراني لمقاطع تُظهر إطلاق صواريخ أكثر تطورًا خلال النهار يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة الترسانة المستخدمة. فإذا كانت منظومات الدفاع الجوي قادرة نسبيًا على التعامل مع الهجمات الليلية المكثفة، فإن بروز إصابات أكثر وضوحًا في النهار قد يدل على استخدام جيل أحدث من الصواريخ يتمتع بخصائص مثل:

قدرة مناورة أعلى خلال المرحلة النهائية

سرعات تفوق قدرة بعض أنظمة الاعتراض

دقة إصابة محسّنة

أو تقنيات تشويش وتضليل متقدمة

هذه المؤشرات، إن صحت، تعني أن المواجهة لم تعد كمية فقط (عدد الصواريخ)، بل نوعية أيضًا (خصائصها التقنية)، وهو ما يفرض تحديات مضاعفة على منظومات الدفاع.

رابعاً: بين الإغراق والاختراق – سيناريوهان مقلقان

تطرح المعطيات الحالية احتمالين رئيسيين، وكلاهما يحمل دلالات استراتيجية مقلقة للكيان الصهيوني:

الأول، أن إيران رفعت وتيرة الإطلاق بشكل كبير، ما يؤدي إلى إغراق الدفاعات الجوية وتجاوز قدرتها الاستيعابية.

الثاني، أن الصواريخ الجديدة قادرة على اختراق هذه الدفاعات بدرجة أعلى، حتى دون الحاجة إلى كثافة نارية مفرطة.

في الحالة الأولى، تكون المشكلة في القدرة على التحمل والاستدامة، أي إلى متى يمكن لمنظومات الاعتراض مواصلة العمل بهذا المعدل المرتفع. أما في الحالة الثانية، فالمشكلة أعمق، إذ تتعلق بتآكل التفوق التكنولوجي نفسه.

وفي كلا السيناريوهين، يتعزز استنتاج أساسي: أن القدرات الصاروخية الإيرانية قد تكون أكبر وأكثر تطورًا مما يتم الإعلان عنه أو التقليل من شأنه في الخطاب الأمريكي والصهيوني.

خامساً: البعد النفسي والإعلامي – حرب على الوعي

لا تقل الحرب النفسية أهمية عن المواجهة العسكرية المباشرة. فالإعلان عن اعتراضات ناجحة يقابله نشر إيراني لمقاطع إطلاق الصواريخ، في معركة سرديات تهدف إلى التأثير على معنويات الجمهورين.

داخل الكيان الصهيوني، يؤدي تكرار الإنذارات وسقوط الشظايا إلى خلق حالة من القلق المزمن، حتى في غياب خسائر بشرية كبيرة. أما في المقابل، فتسعى إيران إلى ترسيخ صورة القدرة على الوصول إلى العمق وإحداث أثر ملموس، ولو بشكل تدريجي.

هذا التراكم النفسي قد يتحول مع الوقت إلى عامل ضغط داخلي، خصوصًا إذا ترافق مع أضرار اقتصادية وتعطيل جزئي للحياة اليومية.

خاتمة: نحو مرحلة استنزاف مفتوحة

تكشف تطورات منتصف آذار 2026 أن المواجهة دخلت طورًا جديدًا يتجاوز الضربات الرمزية إلى معركة استنزاف حقيقية. فالدفاعات الجوية، رغم فعاليتها، تواجه ضغطًا متزايدًا، في حين تظهر القدرات الصاروخية الإيرانية مستويات أعلى من التعقيد والمرونة.

إن استمرار هذا النمط من التصعيد يعني أن الكيان الصهيوني سيكون أمام اختبار طويل الأمد، لا يتعلق فقط بقدرته على الاعتراض، بل بمدى تحمّل مجتمعه واقتصاده لضربات متكررة، حتى وإن كانت محدودة في كل مرة. وفي المقابل، تراهن إيران على أن تراكم هذه الضربات، كميًا ونوعيًا، كفيل بإعادة صياغة معادلة الردع في المنطقة.

وفي هذا السياق، لم تعد المسألة: هل يمكن اعتراض الصواريخ؟ بل أصبحت: إلى متى يمكن الاستمرار في ذلك، وبأي كلفة استراتيجية؟

د.نبيلة عفيف نجم