حين يتحول النقاش إلى فخ: كيف يُهزم الوعي قبل أن تبدأ المعركة
عزّ نفسك تجدها.
من هذه الجملة الصغيرة المقتضبة التي تحمل الكثير والكثير في طياتها سأبدأ بفكرتي، كثير من الأحيان تكون خياراتك مهينة لك لذا يجب عليك أن تختار على من تسلم ومن تناقش ومن تصاحب ومن تجالس، وعليه فإن الإعلام يستضيف كثيراً من الأحيان ضيفين مختلفين بوجهات النظر لمعالجة أمر ما أو طرح فكرة لمناقشتها، ولكن الفخ الذي يقع فيه الأغلب هو الندية، فهل تناقش بديهيات؟ مثلاً حق إنسان يتعرض للاعتداء في الدفاع عن نفسه هو تماماً كحق مريض يغزو جسده فيروس ووجب عليه العلاج، بل أكثر من ذلك هو تكليف الله على قاعدة: لا ترموا بأنفسكم إلى التهلكة، فكيف لأحد يُصاب أن يترك نفسه دون علاج وهذه الصحة أمانة. قد لا يفهم ما أقصد، ولكن الأوطان أمانة، وعليه فالاحتلال فيروس ومقاومته واجب، لذا فهو تكليف إلهي أيضاً، وحتى إن لم تكن تؤمن لدرجة الإلحاد فهو ردّة فعل طبيعية، فلماذا يذهب بعض الصحفيين والمحللين لنقاش هذه الأفكار على القنوات الإعلامية أو حتى من بعض الناشطين على السوشيال ميديا، وخصوصاً أننا نعيش في عالم الاستعراض وأن التوك شو بات الطريق الأقصر للفت الأنظار وتحقيق أو تحطيم الريتنج، والكل غافل عن أن هذا التحطيم سينتج عنه تحطيم أجيال لأنه سيحدث ضجة كبيرة وانعكاسات خطيرة وفوائد قليلة.
وبتبسيط آخر، كثير من الوسائل الإعلامية التي ادعت أنها منفتحة وتريد الرأي والرأي الآخر كانت سبباً في إدخال وجهة نظر أعدائنا إلى بيوتنا وكأنه نقاش عادي أو اختلاف على نوع من الطعام أو الشراب أو النظريات العلمية، وبهذا تم الغزو الأول وابتعدنا تدريجياً عن فكرة أن المصافحة اعتراف، وأن المنابر الإعلامية عندما تُمنح للعدو تكون الكارثة قد وقعت، فبعض الأمور لا تحتاج إلى النقاش أبداً كشرعية المقاومة وحق صاحب الملك بملكه، وبأن الكرامة أغلى ما يوجد على هذه الأرض. هذا الغزو لم يتم فقط عبر الحوارات السياسية أو الوسائل الإعلامية، بل انتقل إلى الأعمال الدرامية والفنية والمسرح والسينما أيضاً، وبدأ بشكل تدريجي، وإن أردت أن أعطي أمثلة فسابدأ من الجزيرة والعربية وسكاي نيوز بالعربية وغيرها من القنوات، هذا على صعيد التلفزيون، أما على صعيد السينما فسأبدأ من فيلم السفارة في العمارة إلى عمارة يعقوبيان، والكارثة انتقلت إلى الدراما بمسلسل فرقة ناجي عطا الله.
لكم حرية الخيار، والعقل نعمة عظيمة إن لم تكن الأعظم على الإطلاق أوجدها الله، تخيلوا لو أن هذا النهج لم يُتبع أو لم يُفتح له مجال من الأساس كيف ستكون حال الشعوب وكيف هي حال أمتنا اليوم. أنا أجزم بأننا كنا سنجد جيلاً متمسكاً بالأصالة بعيداً عن التهجين ومدركاً لمعنى النخوة والجذور.
وبالعودة إلى الجملة التي بدأت بها، فإن الصورة أو المشهد الحالي الموجود في مجتمعاتنا كان نتيجة تهاون بحق أنفسنا بالدرجة الأولى. في معارك الحق والباطل لا مكان للعواطف مهما كنت تدعي الإنسانية، فالحق حق مطلق والباطل باطل بالمطلق. أيضاً، لأعزز فكرتي بمثال حي: بعض الأفلام أو الاعتداءات تُبرر بأن المعتدي يعاني من اضطرابات وبأنه يعاني أيضاً من صراع نفسي داخلي، أو طفولة قاسية ولّدت هذا الكم من الإجرام. عظيم، هي حالات موجودة فعلاً لا يمكن نكرانها، ولكن الاعتراف بوجودها لا يسقط أن مرتكبها مريض، وأن علاجه إما العزل أو المواجهة.
الخطط قصيرة المدى سهلة الكشف، أما الخطط التي تعمل على المدى البعيد فهي الأخطر، وهي ما تُصنف بأجندة استعمارية تظهر نتائجها مع الوقت، وقد يقع فيها البعض ضحية جهله. ولماذا وصفته جهلاً؟ لأن الكلمة الأولى التي أنزلت على محمد صلى الله عليه وآله كانت اقرأ، أي تعلّم وابحث، فأين هذه الأمة اليوم من القراءة والبحث والتعلم؟ هي باتت كالإسفنج الناشف القادر على امتصاص أي نوع من السوائل وليس الماء العذب فقط.
أعلم أن ما طرحته معقد وقد يختلف البعض معي به وقد يوافقني بعض آخر، ولكن الأكيد وبالشكل العام أن الظواهر عالم سطحي، فحتى الظواهر الطبيعية مهما خلّفت من كوارث هي آنية أي ستنتهي ويبقى العمق. وهنا نعود إلى فكرة المتجذرين: فماذا يُزرع في أعماقنا؟ ولماذا نُبهر بكل تطور تكنولوجي هو من صنع البشر سواء كان كمبيوتر أو هاتفاً ذكياً أو حتى المرحلة الحالية التي هي الذكاء الاصطناعي؟ هل سألنا أنفسنا من الذي طوّر هذا العلم؟ الجواب: العقل البشري الذي هو صنيع خالق لا مخلوق، وعليه وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً.

ولأن المعركة معركة وعي بالدرجة الأولى، سأختم بسؤال:
هل عندما يريد العدو معرفتنا يستمع إلى قادتنا العظام، أم أنه يستمع إلى عبيده المجندة المأمورة بما يجب أن يُقال؟ وإن كنا سنخفف من حدّة السؤال، فهل سيستمع عدونا إلى عقلائنا أم إلى الأغبياء؟

“ليست كل فكرة تستحق أن تُناقش، فبعض الحقائق حين تُطرح للنقاش تكون قد خُسرت نصف المعركة.”