لبنان ليس للبيع: لماذا يرفض الشعب اللبناني مفاوضات سلطة “أبو عمر” مع الكيان الصهيوني والوصاية الفرنسية

د.نبيلة عفيف غصن

في لحظة تاريخية دقيقة يعيشها لبنان، حيث تدور مواجهة مفتوحة على أكثر من مستوى بين قوى المقاومة والكيان الصهيوني، تحاول بعض القوى الحاكمة في بيروت الدفع باتجاه مسار سياسي خطير يقوم على التفاوض المباشر أو غير المباشر مع الكيان الصهيوني، بالتوازي مع تمرير ما يُعرف بالوثيقة الفرنسية التي يجري تداولها في الكواليس الدبلوماسية. غير أن هذه المحاولات تصطدم برفض واسع في الشارع اللبناني، الذي يرى فيها محاولة واضحة لفرض تسوية سياسية قسرية تمسّ جوهر السيادة الوطنية وتستهدف موقع لبنان في معادلة الصراع الإقليمي.

إن جوهر الاعتراض الشعبي لا ينطلق فقط من موقف أيديولوجي أو عاطفي تجاه الصراع مع الكيان الصهيوني، بل يرتكز أيضاً إلى قراءة سياسية وتجارب تاريخية أثبتت أن أي مسار تفاوضي يجري تحت الضغط العسكري والاقتصادي، وفي ظل اختلال واضح في موازين القوة الدولية، لا يمكن أن يؤدي إلا إلى تكريس الهيمنة الخارجية وتفكيك عناصر القوة الداخلية. فالتاريخ القريب في المنطقة مليء بنماذج اتفاقيات فرضت تحت الإكراه السياسي والعسكري، وانتهت إلى تحويل الدول المعنية إلى ساحات نفوذ فاقدة لقرارها السيادي.

من هذا المنطلق، يرى كثير من اللبنانيين أن المبادرة المطروحة اليوم لا يمكن فصلها عن السياق الإقليمي الأوسع الذي تسعى فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى إعادة رسم توازنات المنطقة بعد سنوات من الحروب والتحولات الجيوسياسية. وفي هذا السياق، يبدو لبنان هدفاً لمحاولة إخضاع جديدة تهدف إلى انتزاع أوراق القوة التي يمتلكها، وعلى رأسها معادلة الردع التي فرضتها المقاومة منذ عام 2006 والتي منعت الكيان الصهيوني من فرض شروطه العسكرية والسياسية على البلاد.

إن طرح التفاوض مع الكيان الصهيوني في هذا التوقيت تحديداً يثير الكثير من التساؤلات. فبينما تدور مواجهة عسكرية على الحدود الجنوبية، ويخوض لبنان واحدة من أخطر اللحظات في تاريخه الحديث، يجري الدفع نحو مسار سياسي سريع قبل أن تتضح نتائج المعركة الجارية. ويرى منتقدو هذا التوجه أن الهدف الحقيقي ليس البحث عن تهدئة مستدامة أو تسوية عادلة، بل استباق أي تحولات ميدانية قد تعزز موقع لبنان التفاوضي، وفرض اتفاقات مسبقة تعكس ميزان القوى الذي ترغب به القوى الغربية وحلفاؤها في المنطقة.

أما الوثيقة الفرنسية التي يجري الحديث عنها في الأوساط السياسية، فتثير بدورها مخاوف كبيرة لدى شريحة واسعة من اللبنانيين. ففرنسا، التي تحاول تقديم نفسها كوسيط دبلوماسي، تُتهم من قبل كثيرين بأنها تعمل عملياً على تمرير رؤية أمنية وسياسية تتقاطع في جوهرها مع المصالح الإسرائيلية والغربية. وتشير التسريبات المتداولة إلى أن هذه الوثيقة تتضمن بنوداً تتعلق بإعادة ترتيب الوضع الأمني في الجنوب اللبناني، وتقييد حركة المقاومة، وإعادة صياغة دور الدولة اللبنانية بما يتلاءم مع المعادلات الأمنية التي يسعى الكيان الصهيوني إلى فرضها منذ سنوات.

إن مثل هذه الطروحات تُفهم في الشارع اللبناني على أنها محاولة لإعادة إنتاج شكل جديد من الوصاية الدولية، ولكن هذه المرة تحت عناوين دبلوماسية وأمنية. فبدلاً من الوصاية العسكرية المباشرة التي عرفها لبنان في مراحل سابقة من تاريخه، يجري الحديث اليوم عن وصاية سياسية وأمنية مقنّعة تهدف إلى ضبط القرار السيادي اللبناني وربطه بمنظومة المصالح الغربية في المنطقة.

من هنا ينبع الغضب الشعبي المتزايد تجاه أي محاولة لتمرير اتفاقات أو وثائق من هذا النوع بعيداً عن الإرادة الوطنية. فالكثير من اللبنانيين يرون أن السلطة السياسية الحالية، التي يصفها بعض المعارضين بسلطة “أبو عمر”، تحاول التعاطي مع القضية وكأنها مسألة تقنية أو دبلوماسية يمكن حلها عبر طاولة المفاوضات، بينما يعتبرها جزء كبير من المجتمع اللبناني قضية سيادة وطنية وكرامة تاريخية لا يمكن اختزالها في تفاهمات سياسية عابرة.

لقد أثبتت التجربة اللبنانية أن المجتمع في هذا البلد شديد الحساسية تجاه أي محاولة لفرض تسويات تمسّ استقلاله أو موقعه في الصراع الإقليمي. فمن اتفاق 17 أيار عام 1983 الذي سقط تحت ضغط الرفض الشعبي، إلى محاولات التطبيع غير المباشر التي فشلت في مراحل لاحقة، كان الشارع اللبناني دائماً عاملاً حاسماً في إسقاط المشاريع التي اعتُبرت مساساً بالسيادة الوطنية.

كما أن الذاكرة الجماعية للبنانيين لا تزال تحتفظ بصور الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، وما رافقه من ممارسات قمعية وانتهاكات واسعة. هذه التجربة التاريخية جعلت فكرة التفاوض مع الكيان الصهيوني مسألة شديدة الحساسية، لأن كثيرين يرون أن أي مسار تفاوضي لا يقوم على توازن حقيقي في القوة والحقوق قد يتحول بسهولة إلى مدخل لتكريس وقائع سياسية وأمنية تخدم الطرف الأقوى.

في المقابل، يجادل المدافعون عن خيار التفاوض بأن لبنان يعاني من أزمة اقتصادية وسياسية عميقة، وأن الاستقرار الإقليمي قد يفتح الباب أمام حلول اقتصادية ومالية يحتاجها البلد بشدة. غير أن معارضي هذا الطرح يرون أن ربط السيادة الوطنية بالمساعدات الاقتصادية يشكل سابقة خطيرة، لأن الدول التي تساوم على قرارها السياسي مقابل الدعم المالي غالباً ما تجد نفسها أسيرة منظومة من الشروط والضغوط المستمرة.

وفي هذا الإطار، يطرح كثير من المثقفين والسياسيين اللبنانيين سؤالاً جوهرياً: هل يمكن بناء استقرار حقيقي في لبنان عبر تسويات مفروضة من الخارج، أم أن الاستقرار المستدام يتطلب أولاً الحفاظ على استقلال القرار الوطني وعدم تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية؟

إن الإجابة التي يقدمها الشارع اللبناني في هذه اللحظة تبدو واضحة إلى حد بعيد. فهناك شعور متزايد بأن أي اتفاق يتم فرضه تحت الضغط العسكري أو الاقتصادي لن يكون سوى هدنة مؤقتة تخفي تحتها تناقضات عميقة، وقد يؤدي في النهاية إلى أزمات أكبر على المدى البعيد.

من هنا، يصرّ كثير من اللبنانيين على أن مستقبل البلاد لا يمكن أن يُصاغ في الغرف المغلقة أو عبر وثائق تُكتب في العواصم الأجنبية، بل يجب أن يكون نتاج إرادة وطنية حرة تعكس مصالح الشعب اللبناني وتاريخه وتضحياته.

لبنان، في نظر هؤلاء، ليس مجرد ساحة جغرافية صغيرة يمكن إعادة ترتيبها وفق خرائط القوى الكبرى، بل هو بلد تشكّلت هويته السياسية عبر قرن من الصراعات والنضالات من أجل الاستقلال. ولذلك فإن أي محاولة لمصادرة قراره السيادي أو فرض تسويات تتعارض مع هذه الهوية ستواجه حتماً مقاومة سياسية وشعبية واسعة.

وفي نهاية المطاف، تبدو المعركة الدائرة اليوم في لبنان معركة تتجاوز حدود السياسة اليومية لتصل إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الدولة ومستقبلها: هل سيكون لبنان دولة ذات سيادة قادرة على الدفاع عن خياراتها الوطنية، أم سيتحول إلى كيان سياسي هش يخضع لإملاءات القوى الإقليمية والدولية؟

الجواب على هذا السؤال لن تحدده الوثائق الدبلوماسية ولا الضغوط الخارجية، بل الإرادة الشعبية التي أثبتت مراراً في تاريخ لبنان أنها قادرة على إسقاط المشاريع التي تتعارض مع مفهوم السيادة والكرامة الوطنية.