أزمة مركّبة تضغط على لاجئي فلسطين القادمين من سوريا في لبنان: فقر يطال الغالبية، مساعدات نقدية تتقلص، وإيجارات تبتلع ما تبقى من الدخل، في ظل بطالة مرتفعة وهشاشة قانونية متفاقمة.
في أزقة المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان، تتقاطع أزمة اللجوء الممتدة مع الانهيار الاقتصادي المحلي، لتضع لاجئي فلسطين القادمين من سوريا أمام واقعٍ معيشي بالغ القسوة، تفاقم مع تقليصات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).
وبين أرقام الفقر المرتفعة وتراجع المساعدات النقدية، تتسع الفجوة بين الاحتياجات اليومية وإمكانات البقاء.
أرقام رسمية… وتقديرات أعلى
تشير بيانات رسمية ضمن خطط الاستجابة الإنسانية في لبنان إلى أن عدد لاجئي فلسطين القادمين من سوريا المقيمين في لبنان يُقدّر بنحو 23 ألف لاجئ.
غير أن إحصاءات وتقارير أخرى صادرة عن جهات متابعة للشأن الإنساني الفلسطيني تتحدث عن أعداد تتجاوز 31,400 لاجئ فلسطيني سوري داخل لبنان، وفق ما بينه الناشط الإعلامي محمد غزلان، في حديثه لـ”قدس برس”، ما يعكس تباينًا في آليات الرصد والتسجيل.
وتؤكد تقارير أممية أن نحو 89% من هذه الفئة يعيشون تحت خط الفقر، فيما تقارب نسبة الفقر المدقع 9%، وهو ما يضعهم في صدارة الفئات الأكثر هشاشة في البلاد.
“المساعدة لا تكفي الإيجار”
في مخيم “عين الحلوة”، قال اللاجئ الفلسطيني السوري أحمد خالد (45 عامًا)، وهو أب لأربعة أطفال، إن المساعدة النقدية التي يتلقاها “لم تعد تكفي لتغطية إيجار المنزل”، مشيرًا إلى أن العائلة تضطر أحيانًا إلى الاستدانة لتأمين الطعام.
وأضاف: “عندما تُخفَّض المساعدة، أول ما نفكر فيه هو الإيجار… لأن الطرد من البيت أخطر من أي شيء آخر”، لافتًا إلى أن فرص العمل شبه معدومة، وأن العمل اليومي غير المنتظم لا يؤمّن استقرارًا حقيقيًا.
من جهتها، أشارت اللاجئة أمينة درويش (38 عامًا) إلى أن ارتفاع الأسعار وانقطاع مصادر الدخل جعلا العائلة “تعيش على الحد الأدنى”، وقالت: “نؤجل شراء الدواء أحيانًا، ونخفف عدد الوجبات… الأولوية دائمًا للإيجار والكهرباء”.
بردٌ قاسٍ وأطفال بلا تدفئة كافية
وفي مخيم “البداوي” شمال لبنان، أوضح اللاجئ محمود السالم (52 عامًا) أن الشتاء يشكل عبئًا إضافيًا، قائلاً: “المحروقات غالية جدًا، ولا نستطيع تشغيل وسائل التدفئة إلا لساعات محدودة”.
وأشار إلى أن الأطفال “يعانون من نزلات البرد المتكررة”، وأن العائلة تضطر إلى المفاضلة بين التدفئة وشراء مستلزمات مدرسية.
بدورها، قالت سمر الحسن (29 عامًا)، وهي أم لطفلين: “الوضع يزداد صعوبة كل سنة… ومع تقليصات الأونروا نشعر أن المساحة تضيق أكثر”، لافتة إلى أن كثيرًا من العائلات بدأت تتشارك السكن لتخفيف عبء الإيجار.
بطالة مرتفعة وهشاشة قانونية
ويؤكد غزلان أن بطالة لاجئي فلسطين القادمين من سوريا في لبنان مرتفعة للغاية، في ظل قيود قانونية ومهنية تحد من فرص العمل.
وأضاف إن “المساعدة النقدية بالنسبة لهذه الفئة ليست دعمًا إضافيًا، بل عنصر استقرار أساسي يمنع الانزلاق نحو التشرد أو عمالة الأطفال”، مشيرًا إلى أن أي خفض في هذه المساعدات “ينعكس مباشرة على الغذاء والصحة والتعليم”.
في المقابل، تعلن الأونروا أن تقليصاتها تأتي نتيجة عجز مالي حاد وتراجع التمويل الدولي، وهو ما يضع الوكالة أمام معادلة معقدة بين الموارد المتاحة وحجم الاحتياجات.
غير أن اللاجئين، كما يقول غزلان، “لا يرون من هذه المعادلة إلا نتيجتها اليومية”، مضيفًا: “نحن لا نطلب أكثر من الحد الأدنى لنعيش بكرامة”.
وبين رقم رسمي يقارب 23 ألف لاجئ، وتقديرات تتجاوز 31,400 فلسطيني سوري في لبنان، وبين نسب فقر تلامس تسعة من كل عشرة، تبدو تقليصات الأونروا عامل ضغط إضافي على مجتمع يعيش أصلًا على حافة الهشاشة.
ومع استمرار الأزمة الاقتصادية في لبنان، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة هذه العائلات على الصمود في ظل موارد تتقلص واحتياجات تتزايد
