تقويض الأمم المتحدة الممنهج
حسن علاء الدين

لم تلقَ صرخة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الأخيرة حول مواجهة المنظمة الدولية خطر الانهيار المالي الوشيك آذانا صاغية، إذ إن آذان العالم موقوفة على الإنصات إلى ما يتفوّه به أصحاب المال والنفوذ، ولا تبالي بمصير السلم والأمن الدوليين.

النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية

لقد قام النظام العالمي عقب الحرب العالمية الثانية على أسس فرضتها نتائج هذه الحرب، تلك الأسس التي أفضت إلى تشكيل منظّمة الأمم المتحدة كبديل لعصبة الأمم التي أثبتت فشلها في ضبط التوازنات الدولية ومنع اندلاع الحروب. كما تمّ تشكيل مجلس الأمن الدولي الذي إليه توكل مهمّة حفظ الأمن العالمي ومواجهة ما يهدّده.

وتهدف الأمم المتحدة إلى الحفاظ على السلم والأمن الدوليين وتحقيق التعاون بين الدول في المسائل المختلفة. وتنصّ المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضاء المنظّمة وعلى امتناعهم عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة.

انتهاء صلاحية النظام

إن هذه الأسس -وغيرها- لم تعد تتناسب مع النظام العالمي الجديد الآخذ في التشكّل؛ فالقوى العظمى التي اعتمدت على المنظّمات الدولية لتحقيق أهدافها ورعاية مصالحها تجد نفسها اليوم مضطرّة إلى تفكيك النظام القديم الذي بات يشكّل عبئا عليها وعقبة أمام مشاريعها وطموحاتها التوسّعية وتشكيل نظام جديد يتكيّف مع المستجدّات.

من هذا المنطلق قامت الولايات المتحدة بتخفيض تمويلها الطوعي لوكالات الأمم المتحدة، ورفضت سداد المدفوعات الإلزامية لميزانياتها العادية وميزانيات حفظ السلام بحسب تقرير لوكالة رويترز. كما أوقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأمر تنفيذي الدعم لـ 66 منظّمة دولية، من بينها 31 هيئة تابعة للأمم المتحدة. يأتي هذا في أعقاب انسحابات سابقة للولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ومنظّمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، فضلاً عن تخفيضات في التمويل الأمريكي لمنظّمات المعونة الخارجية بحسب تقرير لوكالة إنتر برس سيرفس.

فرصة على طبق من دم

لقد شكّلت أحداث العاميين الماضيين وما رافقها من مآس وخراب فرصة للولايات المتحدة وإدارة الرئيس ترامب للانقضاض على ما تبقّى من النظام العالمي، إذ استغلّ الحرب في غزة وما تركته من تداعيات على الرأي العام العالمي لتقديم نفسه بمظهر داعية السلام والقائد الذي يفرض إنهاء الصّراع الذي لا ينتهي. فقدّم خطّته الشهيرة ذات العشرين بندا التي اضطرّ الجميع إلى الترحيب بها –ولو على مضض- في سبيل إنهاء حمّام الدم في غزة الذي بات يهشّم صورة “إسر/ئيل” في المجتمعات الغربية من جهة، ويستنزف الفلسطينيين الذين كانوا يُقتلون ويُجرحون بالمئات يوميّا على البثّ المباشر وعلى مرأى من العالم أجمع من جهة أخرى.

ومرّر ترامب عبر خطته مشروعه القائم على تشكيل مجلس السلام الذي كان من المفترض في الأصل أن يكون مسؤولا عن إنهاء الصراع وإعادة الإعمار وإحلال السلام في غزة حصرا. وتعمّد ترامب شرعنة خطته هذه ومجلس سلامه المزعوم هذا من خلال مجلس الأمن الدولي الذي اعتمد القرار 2803 في 17 نوفمبر 2025 الذي رحّب بإنشاء مجلس السلام كإدارة انتقالية ذات شخصية قانونية دولية، وأجاز له نشر قوّة دولية لتحقيق الاستقرار في قطاع غزة.

ميثاق المجلس مبايعة لترامب

وحين رأى ترامب الدنيا له مستوسقة والأمور متّسقة، أظهر ما كان يضمر من خلال ميثاق مجلسه للسلام، الميثاق الذي لم يتطرّق إلى غزة، بل كان أشبه بكتاب تنصيب ترامب ملكا على العالم. فمن ينظر في ميثاق المجلس يحسب نفسه ناظرا في دستور دولة دكتاتورية أو نظام مملكة استبدادية.

تنصّ موادّ الفصل الثالث من الميثاق على أن قرارات مجلس السلام تُتّخذ بالأغلبية ولكنها تخضع لموافقة الرئيس. كما تنصّ على تعيين دونالد ترامب نفسه رئيسا لمجلس السلام بحيث لا يجوز استبداله إلا في حالة الاستقالة الطوعية أو نتيجة العجزالذي لا يُقرَّر إلا بإجماع من المجلس التنفيذي، وعندها يتولى خلف الرئيس المُعيّن من قبل الرئيس منصب الرئيس فورا.

كما تنصّ موادّ الفصل الرابع الذي يتناول موضوع المجلس التنفيذي على صلاحيات واسعة لرئيس مجلس السلام -أي ترامب- الذي يقوم بتشكيل المجلس التنفيذي بنفسه، ويمتلك الحق في عزل أعضائه وتجديد عضويتهم وفقًا لتقديره. كما يحتفظ بحق النقض (الفيتو) للقرارات المتخذة في هذا المجلس متى يشاء.

الضربة القاضية

وباللإضافة إلى الصلاحيات المطلقة لرئيس مجلس السلام، جاء في الميثاق أن السلام الدائم يتطلّب شجاعة التخلّي عن المناهج والمؤسسات التي فشلت مرارا وتكرارا، في إشارة واضحة إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن. كما صرّح ترامب عند الإعلان الرسمي عن المجلس برغبته أن يتناول المجلس تحديات تتجاوز وقف إطلاق النار الهش في غزة.

يكون ترامب بذلك أعلن الموت السريري لمجلس الأمن من بعد أن أخذ الشرعية الدولية منه لمجلسه المستحدث الذي يريده مركزا لصنع القرار في العالم، المجلس الذي يرأسه ترامب مدى الحياة والذي يملك فيه وحده دون غيره حق النقض (الفيتو) على عكس الواقع القائم في مجلس الأمن الدولي حيث يستطيع أي عضو من الأعضاء الخمسة دائمي العضوية عرقلة أي مشروع قرار يتعارض مع مصالح بلاده.

تدارك العديد من قادة الدول حول العالم الموقف وتنبّهوا لمخاطر هذه الخطوة، حيث ظهر ذلك في امتناع معظم قادة الدول المؤثّرة في العالم عن الانضمام إلى مجلس ترامب معلنين عن قلقهم من أن يقوّض المجلس دور الأمم المتحدة كمنصّة رئيسة للدبلوماسية العالمية. ولكن ذلك لم يمنع ترامب من المضيّ قدما في تنفيذ مشروعه متّكئا على مليارات دول وقادة تستجدي رضاه وتحذر سخطه.

إن مشروع ترامب في الهيمنة المطلقة على العالم ومقدّراته والتحرّر من كل القيود والقواعد التي تحكم العلاقات الدولية ليس جديدا ولا مستغربا في حالة شخصية مثل ترامب، ولكن المستغرب هو الصمت الدولي والانبطاح أمام المشروع الذي يهدّد العالم من أقصاه إلى أقصاه. لقد قام ترامب بتغيير اسم وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب منذ مدّة، فمن الذي سيمنعه إذا قرّر يوما ما تحويل مجلس سلامه إلى مجلس للحرب، أو تحويل القوّة الدولية إلى قوّة ترامب الضاربة؟