حين يعقل القلب: الوعي بين البصيرة ومقاومة الاحتلال…
بقلم:فاتنة علي،لبنان/سوريا الكبرى
يقول غسان كنفاني:”إن الفكرة النبيلة لا تحتاج غالباً للفهم
بل تحتاج للإحساس“
ومن هذه العبارة يبدأ السؤال الكبير: هل يُعقل أن نُقصي الشعور بدعوى غياب الدليل؟ أم أن في داخل الإنسان بوصلة خفية، إن تجاهلها ضلّ وإن أصغى إليها اهتدى؟
يشيع بين الناس تحذير متكرر: “إن لم تمسك دليلاً فتجاهل شعورك.” غير أن الأدق – في تقديري – ليس تجاهل الشعور، بل الحذر في إظهاره. فالقلب يرسل إشارات إنذار دقيقة؛ ارتياحًا أو نفورًا، طمأنينة أو قلقًا، تجاه فكرة أو مكان أو شخص أو حتى ظاهرة صاعدة أو “ترند” منتشر. وهذا لا يعني تعطيل العقل، بل يعني أن الحكمة تكمن في عدم إقصاء أحدهما لصالح الآخر.
يقول الله تعالى في كتابه الكريم:
﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾.
هنا يبرز التعبير العجيب: قلوب يعقلون بها. كيف يُنسب العقل إلى القلب؟
ويقول كذلك: ﴿أولئك الذين ختم الله على قلوبهم﴾.
العقل هنا منسوب إلى القلب، والعمى منسوب إليه أيضًا. كأن الإدراك أعمق من مجرد نشاط ذهني.
حتى نبي الله موسى عليه السلام، حين طلب الطمأنينة، لم يقل ليطمئن عقلي، بل جاء التعبير القرآني: ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾. فالاطمئنان حالة وجدانية عقلانية في آن.
عند التأمل، لا نجد تعارضًا بين العقل والشعور، بل تكاملًا. فقد أشارت دراسات علمية منذ تسعينيات القرن الماضي إلى وجود شبكة عصبية معقدة في القلب، وأن العلاقة بين القلب والدماغ ليست أحادية الاتجاه كما كان يُظن. ورغم اختلاف التفسيرات العلمية، فإن الثابت أن الجسد يعمل كوحدة متكاملة، وأن الإدراك الإنساني أعمق من مجرد معادلات مادية.
أشار الدكتور J. Andrew Armour في أبحاثه إلى وجود شبكة معقدة من الخلايا العصبية في القلب تُقدَّر بعشرات الآلاف، ما دفع بعض الباحثين إلى وصفه مجازًا بـ “الدماغ القلبي”. كما أثبتت دراسات في علم الأعصاب أن التواصل بين القلب والدماغ تبادلي، وأن الإشارات العصبية لا تسير في اتجاه واحد فقط. غير أن تحويل هذه النتائج إلى شعارات قطعية مبالغ فيها يُفقدها دقتها. القلب ليس عقلًا مستقلًا، لكنه ليس مجرد مضخة ميكانيكية أيضًا.
إذا انتقلنا من الفرد إلى المجتمع، تتضح خطورة المسألة.
متى يُخدَّر الشعور الجمعي، يسهل تمرير كل شيء.
ثقافة الاستهلاك ليست مجرد تطور اقتصادي. إنها إعادة تعريف للقيمة.
أن يصبح ثمن السيارة أهم من الغاية منها.
أن يتحول حفل الزفاف إلى استعراض مادي يفوق قدسية الرابطة نفسها.
أن يُقاس النجاح بالمظاهر لا بالمعنى.
وفي الفضاء الرقمي، تتضاعف الصورة تعقيدًا.
العالم الافتراضي، بما يحمله من ترفيه وتواصل ومعرفة، يشبه في وجهه المظلم جزيرة مغلقة القوانين؛ مساحة قد تُستغل بعيدًا عن الرقابة الأخلاقية والاجتماعية. لذلك شبّه البعض هذا الفضاء بجزيرة إبستين، في إشارة إلى شبكة الاستغلال التي كُشف عنها في قضية رجل الأعمال Jeffrey Epstein. المقارنة هنا رمزية لا حرفية؛ فالمقصود هو قابلية الفضاء المعزول للتحول إلى بيئة استدراج إن غاب الوعي.
الجدل الذي رافق بعض الألعاب الإلكترونية – سواء ما عُرف بلعبة “مريم”، أو النقاشات حول الخصوصية في Pokémon Go، أو المخاوف المتكررة بشأن استغلال القُصَّر عبر منصات مثل Roblox – يكشف هشاشة الحدود بين الترفيه والتأثير العميق. ليست المشكلة في لعبة بعينها، بل في بيئة يمكن أن تُستخدم لإعادة تشكيل الوعي، أو استغلال البراءة، أو تشتيت الانتباه.
والسياسة تدرك جيدًا أثر الإلهاء.
حين ينشغل الرأي العام بجدل هامشي، تمرّ قرارات مصيرية.
حين تُغرق الشعوب في الضوضاء، يضعف التركيز.
حين يتعود الإنسان على المشهد، يفقد حساسيته الأخلاقية تجاهه.
الاحتلال، أيّ احتلال، لا يكتفي بالسيطرة على الأرض؛ يسعى للسيطرة على الإدراك.
أن يُصبح الظلم خبرًا اعتياديًا.
أن تُعاد صياغة اللغة حتى يتبدل المعنى.
أن يُفصل الإنسان عن بوصلته الداخلية.
مثال الطفل الذي يرفض الطعام حتى يُشغل بشاشة ليس تفصيلاً عابرًا. إنه نموذج مصغّر لآلية أكبر: الانشغال المفرط يعطل الإحساس.
فإذا شُغل العقل باستمرار، خفَتَ صوت البصيرة.
لكن الحذر واجب هنا.
الإصغاء إلى الشعور لا يعني الوقوع في فخ رؤية مؤامرة شاملة خلف كل ظاهرة. الوعي ليس شكًا مرضيًا، بل توازنًا: إحساس يدفع إلى السؤال، وعقل يتحقق من الجواب.
الإيمان بزوال الظلم ليس اندفاعًا عاطفيًا، بل قراءة في سنن التاريخ. لم يدم احتلال، ولم تبقَ منظومة قهر بلا نهاية. الشعور الداخلي بأن الدم المظلوم لا يضيع ليس خيالًا، بل تعبير عن قانون أخلاقي راسخ في وجدان الإنسان.
في النهاية، القضية ليست قلبًا ضد عقل، ولا روحًا ضد مادة، ولا دينًا ضد علم.
القضية أن يُفصل ما ينبغي أن يبقى موصولًا.
حين يعقل القلب، ويبحث العقل، يولد الوعي.
وحين يُختم على القلب، يصبح العقل أداة تبرير لا أداة تحرير.
إن احترام عقل القارئ يقتضي ألا نطالبه بتصديق كل إحساس، ولا أن ندعوه إلى قتل كل حدس.
بل أن نقول له:
أصغِ لما تشعر، ثم اسأل.
تأمل، ثم تحقق.
لا تُسلم وعيك، ولا تُطفئ بصيرتك.
فالعمى ليس فقدان البصر،
بل فقدان القدرة على أن نرى ما يحدث… بينما يحدث.
القلب – في هذا السياق – ليس مجرد مضخة دم، بل رمز للبصيرة؛ للقدرة على التقاط ما وراء الظواهر. أما العقل، فمعنيّ بتحليل المعطيات الحسية وتنظيمها. وحين ينفصل أحدهما عن الآخر، يختل الميزان.
إن ثقافة الإلهاء ليست مفهومًا عابرًا. إنها أداة فعّالة لإبعاد الشعوب عن الأسئلة الكبرى. يكفي أن ننظر كيف تُصنع أزمات إعلامية لتملأ الرأي العام، بينما تمرّ قضايا مصيرية في الخلفية بصمت. ويكفي أن نلاحظ كيف يُربط التقدم بالمظاهر، وتُختزل القيمة الإنسانية في المال والمكانة والشكل.
