في مقهى «﷼» بدمشق القديمة، حيث يعجُّ الصباح برائحة القهوة المرّة والدخان الثقيل، يجلس حسام على كرسيه الخشبي المتهالك.
اليوم ثلاثاء، والشوارع خارجاً موحشة كمقبرة مهجورة.
فنجانه بارد، يداعبه بأصابع مرتجفة، وفي عينيه لمعان الذكريات.
يعود بالفكر إلى الماضي، إلى أيام كانت خطى الظل الكبير تثقل الأرض كالرعد، تحمي الأسواق من باب توما إلى الحميدية، تملأ الساحات بصوتها الجهور.
دمشق كانت تغفو آمنة على رماد حماياتها، وسوريا تتلمس ملامحه في زوايا الجدران العتيقة، بين رائحة التوابل والضحكات في الشوادر.
كان الفراغ يبدو غريباً حينها، كجرح يلتئم ببطء، يهمس حسام ليوسف، الذي يجلس مقابله، عيناه دامعتان تتجنبان النظر إلى الشارع الفارغ.
في الحاضر، رحل الظل فجأة، سحب معه نسمة الروح كالريح التي تعصف بالأوراق اليابسة.
الشوارع بلا ملامح، الساحات بلا نبض، والدمار يغطي كل شيء كغبار أسود.
اليوم، يخطف الغرباء الكحل من العيون عنوة، يسلِّمون النظرات الفاخرة بالإهانة؛ يأخذون الاتاوات من أيدي البائعين في الاسواق بيد حديدية، يشلحون الأرزاق بحجج واهية تتمايل كالسراب في شمس الظهيرة.
الجوع يتجول في كل زاوية كشبح جائع، والغلاء الفاحش يعصف كسيف يقطع أوتار الكرامة، يتركنا عراة في براري اليأس، نبحث عن لقمة في رماد الأحلام.
يوسف يقاطع بصوت يرتجف كورقة شجرة في عاصفة: تذكر تلك الليالي في الشوادر؟ حكمته كانت درعاً من نور، خطواته نبضاً يوقظ الأرض من سباتها.
حسام يومئ برأسه ببطء، عيناه غارقتان في بحر الذكرى.
الآن، الغد مجهول كليلة بلا قمر، الرياح الباردة تراقص الصمت في الأزقة الضيقة، والعيون المتعبة تسأل السماء بصمت يئن.
سوريا تئن تحت وطأة الفراغ الثقيل، تبحث عن معنى في أنقاض الخراب. رحلتَ وتركتَنا، يا من كانت خطاك أماناً، فصارت دمشق تغفو وحيدة على رمادها، والكرامة مسلوبة كالكحل من عين تبكي دماً أحمر.
مع غروب الشمس، ينهضان ببطء، يمشيان في طرقات بلا روح، يمرّان ببائع يبيع حفنة خبز بثمن شهر.
الاستفسار يتردد في الهواء كصدى بعيد:
أين رحلتَ، وهل تعود الروح يوماً، أم نبقى عبيداً للجوع والغلاء إلى الأبد؟
دمشق تغفو على رمادها، سوريا تتلمس ملامحك
بين الدم والصمت، تنتظر عودة الروح…

قَينان الساحل/سورية الكبرى